يتحول مثقف عربي ما، متنور ومتحرّر إلى مجرد ذكر متخلف ورجعي، إذا ما صارحته امرأةٌ ما بالتعبير عن إعجابها به، أو بغيره، ولا يتوانى عن إطلاق أقذع الصفات والألقاب عليها، في جلسات مقاهي النميمة الثقافية.

تعرفت، قبل مدة طويلة، إلى رجل وسيم، لفت نظري منذ لحظة اللقاء الأول. وكعادتي الأزلية، في التعبير عن مشاعري بوضوح وشفافية، من دون حساباتٍ تخلصت من فخاخها منذ زمن طويل، أخبرت الرجل الوسيم أنني ميالة له، لم يبد الرجل أي تحفظ أو ردة فعل ذكورية من تصريحي. تعامل مع التصريح بوصفه أمرا طبيعيا وعاديا، وتحدثنا على مدار الأيام اللاحقة كثيرا، وجرت بيننا نقاشاتٌ عميقةٌ حول علاقة الرجل والأنثى، ما يسبق هذه العلاقة وما يليها، وحول أيهما الأفضل: الصداقة في امتدادها وديمومتها من دون الدخول في متاهات العلاقة الغرامية، على الرغم من جمالها، أم الحب، وما يمنحه من سعادة استثنائية، وملء فراغات الروح التي يكاد يفتك بها التوحش الذي نعيش في وسطه، مع توقع نهاية درامية مؤلمة للطرفين، تحجب مساحة الجمال التي جمعت بينهما؟! كان الخيار هو الحفاظ على صداقة قوية وعميقة، نعتز بها كلانا، ونضمن أن لا شراك نقع فيها في القادم من الأيام.
قد يكون ما سبق بالغ الخصوصية، ولا يعني أحدا، وقد يستهجن بعضهم كتابته في نص أو مقال. ولكن، من قال إن تفاصيل يومياتنا هي خصوصية ليس من حقنا عرضها على الآخرين، وإن ما يحدث معي لا يحدث ما يشبهه مع آخرين، لا منابر لهم لتدوينه بوصفه، على بساطته، تجربة إنسانية قد يعنى أحد ما بها؟ أوردت ما سبق في المقدمة، لأن هناك نظرية نمطية، يتم تداولها كثيرا في مجتمعاتنا العربية، تقول: إن الرجل لا يحترم المرأة التي تبادر بالإعلان عن ميلها إليه، أو بالتعبير عن مشاعرها، أثبتت لي تجارب حياتي، وتجارب كثيرين أتيح لي الاطلاع عليها، أن هذه النظرية فيها من التعميم ما يزيد من النظرة الدونية نحو مجتمعاتنا. وأنه، في الأوساط الشعبية، الريفية مثلا، لا يخطر في بال أحد التفكير بأمر كهذا أصلا، إذ يدرك الطرفان، الرجل والمرأة، إدراكا عفويا، أن شرارة الجاذبية يلتقطها الاثنان معا، وأن المرأة هي من تعطي الإشارة الأولى، ولو لم تقل أية كلمة، الكلام هنا يصبح نافلا، طالما الفعل قد حدث، بينما يتم تناقل النظرية السابقة في الأوساط الثقافية العربية، بما يشبه النميمة. وأقول: نميمة، لأن كلاما كهذا لا يجرؤ مثقفون كثيرون على التصريح به علنا، كي لا تنخدش صورة المثقف المتنور المتحرّر المنفتح. وأيضا من تجاربي الشخصية، وتجارب آخرين أعرفها جيدا، يتحول مثقف عربي ما، متنور ومتحرّر إلى مجرد ذكر متخلف ورجعي، إذا ما صارحته امرأةٌ ما بالتعبير عن إعجابها به، أو بغيره، ولا يتوانى عن إطلاق أقذع الصفات والألقاب عليها، في جلسات مقاهي النميمة الثقافية.
الحال أن مثقفات كثيرات اعتدن إخفاء مشاعرهن وعواطفهن ومخاوفهن، وعملن على مواربة رغباتهن وتغليفها بإطار ثقافي، كي لا يتعرّضن لتقييم أخلاقي ذكوري يمارسه زملاؤهن من الذكور في الوسط الثقافي! إذ أدركن من معرفتهن بهم أنهن سيصبحن مادة للنميمة، سواء الشخصية أو التي تدون في سرد يطلق عليه اسم رواية أصبحت دارجة عربيا.
ذات يوم، أخبرت صديقا قديما مثقفا عن إعجابي برجل، ومبادرتي للتعبير عن إعجابي. اعتبرني صديقي المثقف متهتكة، وأقلل من قيمة نفسي ومكانتي! لم تدهشني توصيفاته لي، بقدر ما أدهشني تناقضه، هو يحكي لي عن علاقاته وما يفعله من دون أن يعتبر أن في ذلك تقليلا لقيمته عندي، ولن يخطر لي ذلك أنا أيضا، فما يفعله شأنه الشخصي، ونحن تجاوزنا مرحلة التعبير سرا عن رغباتنا، رغباتنا معلنة وواضحة، كما هو ضعفنا، وكما هي قوتنا.
قد يبدو كلامي مخيبا لظن بعضهم، سيقولون ربما: العالم يحترق حولنا، وهي تكتب هذرا لا قيمة له في سياق اللحظة التاريخية الحالية. أؤكد لهؤلاء أن كلامي هذا مجرد هذر، أو هراء إن شئتم، أما أنني خيبت ظنكم، فأحد واجبات الكتابة تخيبب الظن، وكتابة اللامتوقع، وتحويل ما هو تافه في الشأن الشخصي إلى موضوعة عامة، طالما هناك أشخاص يمسّهم الشخصي التافه، ويعبر عنهم في لحظةٍ ما من لحظات حياتهم!