البلاد التي أشعلت شرارة التغيير منذ سبع سنوات ونيّف، تظهر وكأنها “عصية على التغيير” في الوقت الحالي. لعلّ ذلك أسوأ ما يمكن أن تمرّ به الديمقراطية التونسية، في ظلّ تجاهل واضح لفئات اجتماعية وديمغرافية، اقتصادياً وسياسياً.

تكون الانتخابات عادة لغايات “تغييرية”، أي كل ما يصبّ في خانة نقد ورفض أو استمرار وتطوير كل مرحلة سياسية ـ اقتصادية ـ اجتماعية زمنية، مرتبطة بفريقٍ حاكم. تبدو الانتخابات في أربع دول عربية في العالم الحالي، غير تغييرية، بالإجمال، لا بل مؤسسة لأنواع من الصراعات التي ستنعكس سلباً على الناخبين. في لبنان ومصر وتونس والعراق انتخابات. انتخابات تختلف أولوياتها في كل دولة، لكنها تقريباً مشتركة في نقطة واحدة: إبعاد الملفات الأساسية الاجتماعية والاقتصادية عن الواجهة، لمصلحة الصراع السياسي الذي يتخذ أبعاداً مذهبية ودينية، أو إقليمية، أو “الحرب على الارهاب” في بعض الأحيان.
في مصر، بات أكيداً أن الرئيس عبد الفتاح السيسي سيستمرّ لولاية ثانية في الانتخابات الرئاسية في 26 مارس /آذار المقبل، لكن ذلك لا يعني “الاطمئنان إلى مواصلة مسيرة ما بعد عام 2013″، بل أصبحت القاهرة أقرب إلى قنبلة موقوتة منها إلى دولة في طور النمو. فملفات كسدّ النهضة الإثيوبي، ومحاربة الإرهاب في شبه جزيرة سيناء، والتدهور الاقتصادي المتواصل، ملفات لا يمكن اعتبار أن معالجتها ستتمّ سريعاً. على العكس، فإنها مرشحة للتطور سلباً، في غياب أي خطة اقتصادية واضحة، بعيداً عن المنح والهبات.
في لبنان، يحاصر النظام الهشّ، المسنود على ثلاثية “رجال الدين ـ أمراء الحرب ـ رجال الأعمال”، كل فكرة تغييرية خارج هذه الثلاثية. تهمة التخوين والتعامل مع العدو الإسرائيلي جاهزة. يُمكن للسلطة في لبنان، المُمسكة بمعظم وسائل الإعلام أن تحرّض وسيلة إعلامية ما، ضد فئة صادقة في إرادتها التغيير في بلادها، وإظهارها كأنها تريد تدمير لبنان. مع العلم أن هذه السلطة، والتي ستنتصر نيابياً في انتخابات 6 مايو/أيار المقبل، هي من دمّرت البلاد في الحرب، وسرقت مقدراتها، وبَنَت “الدولة العميقة”، وتقاسمت الحصص فيها، ليُصبح اللبنانيون كأنهم “ضيوف” في دولة يتسيّدها أمراء الحرب والطوائف.
في تونس، تبدو البلاد أمام محطة جديدة من الصراع بين ماضٍ يجرّها إلى حيث كانت قبل أكثر من 40 عاماً ومستقبل مجهول غير واضح المعالم. البلاد التي أشعلت شرارة التغيير منذ سبع سنوات ونيّف، تظهر وكأنها “عصية على التغيير” في الوقت الحالي. لعلّ ذلك أسوأ ما يمكن أن تمرّ به الديمقراطية التونسية، في ظلّ تجاهل واضح لفئات اجتماعية وديمغرافية، اقتصادياً وسياسياً.
في العراق، لن يكون أمام حيدر العبادي خيار، سوى التحالف مع من يُعتبرون “مليشيات” أو فئات خارج إطار الشرعية العراقية. انتخابات 12 مايو/ أيار النيابية يفترض أن تهدي “المحارب ضد داعش” انتصاراً بطعم الكمال، لكن ذلك غير وارد إطلاقاً، إذ من السهل إشعال الفتنة المذهبية والقومية في العراق قبل أسابيع من الانتخابات، بما يحوّل العبادي إلى مجرد “أمير حرب” بين أمراء متقاتلين.
وفي وقتٍ كانت انتخابات فرنسا وألمانيا وهولندا والنمسا وغيرها من الدول الأوروبية ترفع، العام الماضي، شعاراً محدّداً، هو “محاربة التيارات اليمينية المتطرفة”، في ظلّ امتلاك أهلها الحدّ الأدنى من البديهيات الاجتماعية والانسانية، ظهر أن القاسم المشترك، وبنسبٍ متفاوتة، بين البلدان العربية الأربعة، هو أن كثيرين من سكانها بلا مدارس ولا رعاية صحية ولا خطوط مواصلات ولا كهرباء أو ماء أو غذاء نظيف. ستجد ناخبين كثيرين يهرولون إلى صناديق الاقتراع، بالترغيب أو الترهيب، خوفاً على القليل الذي يملكونه، وهو القليل الذي تهدّده بهم السلطات الحاكمة. ستجد ناخبين كثيرين، مضطرين للسكوت على تجاوزات السلطة وفسادها، بحجة أن “الوضع دقيق”. هذا “الوضع الدقيق” ما انفكّ مستمراً منذ جلاء دول الاستعمار عن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهو ما يقتل ديمقراطيتنا العربية، أكثر من أي وقتٍ مضى. لا شعار للسلطات الحاكمة أو النافذة في هذه الدول سوى: “تريدون انتخابات؟ إذاً صوّتوا لي أو تخسرون كل شيء”.