الكثير من القُراء، لا يعلمون الرحلة التي يأخذها الكِتاب بعد انتهائه من يد المؤلف، حتى يصل إلى يد القارئ، وتلك الرحلة هي مسألة النشر والتوزيع، والتي يتم من أجلها المعرض تقريبًا؛ دعمًا للكِتاب عبر تقديم العروض، والخصومات، والندوات للقارئ، والتي تكون أداتها الأساسية، مؤسسات النشر والتوزيع.

حينما يُقام معرض الكِتاب في يناير من كل عام، يتوجب على الدولة توفير مساحات لعرض أعمال دور النشر، والأبحاث العلمية، والإقليمية، وتوفير مكان لضيف معرض الكِتاب بالقاهرة – وضيف هذا العام دولة الجزائر لدورة عام 2018 –.

وعلى الدولة أن تُقيم المعرض في مساحة قريبة للعديد من سُكان محافظة القاهرة؛ أي أرض المعارض في مدينة نصر، وإذا تغير موقع المعرض، مثلما أرادت الدولة في العام الماضي، وفي غيره من الأعوام السابقة؛ يتوجب على الدولة توفير المواصلات العامة، متوسطة التكلفة؛ لكي يصل القارئ، والناشر، والكاتب إلى المعرض، لا ينقص هذا الدور إلا توفير الأمان، لهذه المساحة طوال تلك المدة الزمنية، التي يستمر فيها المعرض، وهكذا ينتهي دور الدولة.

الأزمة الحقيقية تقع في دور النشر المصرية، سياسة التجارة الثقافية، والسلع التي يجب إيجاد فرصة للربح منها، يعتقد الكثير من الناشرين أن عملية النشر ليست إلا مضاربة في الأرقام؛ لكي تحصل على رقم جميل في نهاية المطاف، يقع في حسابك البنكي، والحقيقة نراها في اختلاف طريقة النشر في مصر، عن العديد من البلاد المجاورة، وغيرها من دول أوروبا، أو آسيا، أو الأمريكتين.

يبدأ الكاتب حين الانتهاء من كتابه، بإرسال كتابه إلى دور النشر، التي تقوم بفحص الكتاب؛ عن طريق لجنة القراءة، ومن ثَمّ يتوجب على تلك اللجنة، أن ترى إذا كانت المسودة التي قدمها الكاتب صالحة للنشر؟، أم صالحة للنشر ولكن تحتاج إلى تعديلات؟، أم أنها لا تستحق النظر فيها؟، إذا كانت المسودة متفقًا عليها من كلا الطرفين؛ أي الكَاتب ولجنة القراءة، يتم إرسالها إلى المطبعة، بعد إمضاء العقد الذي يشترط حقوق الكاتب وحقوق الناشر، وفي مسألة العقد هذا هناك ثلاث حقائق تهم القارئ لا بد أن يدركها في أزمة دور النشر في مصر .

بعض دور النشر تشترط من الكاتب أن يدفع مقدمًا، يتم حسابه بنسبة مئوية من الطباعة لأول طبعة؛ لأن الكتاب الذي يقوم بنشره، هو أول كتاب له في مسيرته باعتباره كاتبًا، وكان ينتشر بين الكُتاب الشباب «تسعيرات» أغلب دور النشر المصرية؛ بمعني أنك إذا كتبت رواية يصل عدد كلماتها إلى 250 ألف كلمة؛ ذلك يعني أنك في دار كذا ستدفع تقريبًا ألفًا ونصف جنيه، واضرب على درب هذا المثل أرقامًا شتى.

بعض دور النشر، تشترط من الكاتب أن يأخذ في كتابه الأول مجموعة كتب، يكون تقديرها المالي مساويًا لحقوقه المالية من كل طبعة، يستفيد الناشر بأنه تخلص من مجموعة كتب، من خلال إعطائها لكاتبها، وقد استفاد أيضًا أنه لم يخسر أموالًا كثيرة، وبالإضافة إلى ذلك أنه إذا نجح الكِتاب، وزادت الطبعات؛ يصبح الكَاتب لديه تقريبًا مكتبة كاملة من كتاب واحد، هو الذي قام بتأليفه، بدلًا من المال، الذي كان يستحقه في البداية.

قد يرى القارئ أن الكاتب حين يبحث عن المال، يكون كاتبًا حقيرًا ماديًا، ولكن الحقيقة الكاتب يحتاج المال مثلما يحتاجه القارئ؛ لأن الكتب التي يبحث عنها الكاتب كلها كتب غالية الثمن، وكثير من الكُتاب لا يدخل جيبهم سوى تلك الحقوق، التي تأتي من دور النشر – والتي كثيرًا ما لا تعطيه حقوقه كاملة وباستمرار –، وهكذا تجد العديد من شباب الكُتاب يعتزلون الكتابة؛ لصعوبة الحياة عن طريقها.

كل أنواع دور النشر من حيث حقوق الكتب المذكورة، وغير المذكورة، تقوم باشتراط أن تستلم هي الجوائز، التي قد يحصل عليها الكاتب على جهوده الشخصية؛ وذلك لأن الناشر يريد أن يحصل على المال من كل اتجاه، من خلال هذا الكاتب، ويقوم بتقسيم الجائزة التي هي من جهود الكاتب بمفرده، بنسبة غير عادلة، تصل أحيانًا إلى المناصفة؛ ولذلك ترى الكثير من الكُتاب يرتحلون من دور نشر إلى أخرى طوال الوقت، حيث إن أحد أعظم الأسباب؛ هي مسألة أن الكاتب لا يحصل على حقوقه المالية بشكل عادل.

وهنا علينا أن نسأل؛ هل تقوم دور النشر بأداء واجبها باعتبارها دورًا للنشر؟ أم تقوم دار النشر بقيام دور البيت المهجور المثير لفضول أبطال أفلام الرعب، ومن ثَمّ نجد بداخله الغول، ومصاصي الدماء، والموتى الأحياء، والأشباح، وعرائس مسكونة بأرواح الشياطين؟

دور النشر لا تقوم بجهود تضمن للكاتب أن كتابه قد ينتشر في بلاده نفسها؛ لأن المكتبات الأكثر انتشارًا في مصر؛ أي مكتبات «ألف» ليس معها عقود مع كل دور النشر؛ وبالتالي هناك رصيد كبير من المحافظات لا يوجد فيها كتب العديد من الكُتاب، ودور النشر لا تقوم بطباعة عدد كتب يزيد عن العشرة آلاف نسخة؛ لكونها لا تملك القدرة على إقامة دعاية، وحملة دعم للكتاب، تسمح له بنفاد الطبعة سريعًا.

دور النشر لا يمكنها في كثير من الأحيان إرسال الكتب إلى دول عربية كثيرة؛ ذلك لأنها لا تملك القدرة على إقامة علاقات مع المكتبات خارج مصر، ولذلك من الصعب أن تجد كتابًا مصريًا في المغرب والعكس، إلا في حساب قلة من دور النشر مثل؛ الشروق وغيرها، وذلك يعود إلى أنها من أقدم دور النشر في الساحة وأبرزها.

دور النشر أيضًا يغيب عنها موظفون مهمون في الصنعة، حيث لا يوجد محرر أدبي في العديد من دور النشر المصرية؛ وذلك يعود إلى أن ثقافة التحرير الأدبي غائبة، ولغيابها تجد نواقص الروايات، والأعمال الإبداعية تزداد وضوحًا كل عام، بعيدًا عن سيناريوهات السرقة التي اشتهر بها العديد من الكُتاب، واشتهروا أيضًا بتلك الوقاحة التي يصرحون بها، أنهم مبدعين وآلهة.

الحقيقة التي أود أن أرسلها للقارئ؛ أن دور النشر المصرية، أغلبها وسائل ما؛ أي هي عبارة عن دكاكين للنشر، يقوم المعلم والفتوة فيها بإقامة العقود مع مساكين حارة الكُتاب، تقتضي تلك العقود على أن الكاتب لا حق له واضحًا، وأن الحقوق إن جاءت فهي لسد العين لا الحاجة، وفي تلك المسألة نجد ضياع السوق، والمادة المعروضة فيه، ولا نجد عملًا إبداعيًا بسبب نقص دور النشر، ونقص بعض وظائف دور النشر؛ مثل التحرير الأدبي، وعدم التعاقد مع العديد من المكتبات.

ولكي يصلك حجم الرجعية التي نصل لها في مسألة النشر، يجب أن تعلم أن عدد سكان الأرض وصل إلى سبعة مليار إنسان، هناك كُتب توقف نشرها في العالم ليس لأنها كتب رديئة، بل لأن النسخ المطبوعة من تلك الكتب التي لا تزال تُباع، ويصل عددها إلى أكثر من سبعة مليار؛ أي لو أننا قسمنا بعضها على عدد سكان العالم، يصبح نصيب الإنسان ثلاثة من ذات الكتاب، هل تستطيع دور النشر المصرية مواجهة مثل هذه الأرقام؟! الإجابة لا، لأنهم جميعًا – إلا قلة قليلة وهم الأمل – دور نشر فاشلة.