تشتهر أغلب الفتاوى الدينية في مسألة النظرة الجندرية بين الرجل والمرأة. وكأن الفقه خُلق للرجال دون غيرهم. حيث تمتلئ صفحات الكتب الدينية وخصوصًا (الفقه والمعاملات) بغيظ نحو المرأة وكأنها لا سمح الله (خطيئة الخالق بخلقه).

هذه النظرة الدونية في الفقه للمرأة ليست وليدة العهد؛ فهي قديمة منذ توسع المدارس الفقهية وانتشار الفقهاء البعيدين عن مركز القرار الديني.

وربما أيضًا شأنها شأن كثير من فتاوى «وعاظ السلاطين» التي تدعم وتسيّر حكم السلطان باسم الدين والعقيدة. ستكون لنا جولة بسيطة بعض الشيء في مسألة النظرة الفقهية للمرأة والبحث حول أسباب الجندرة.

أسطورة الخلق الأنثوي كبدايات للأزمة

تظهر بداية التميز بين الرجل والمرأة إذا ما اطلعنا على قصة خلق آدم وحواء في أول أسفار العهد القديم سفر «التكوين» أو كما يلفظ بالعبرية سفر «بريشيت»، والذي يظهر أفضلية الجنس الذكوري على نظيره الأنثوي منذ لحظة الخلق الأولى.

إن العهد القديم قد حض من قدر المرأة كثيرًا في قصة حواء والحية الشهيرة، إذ ترى التفاسير الدينية «المدراشيم» أن حواء هي سبب عصيان آدم لربه فهي التي استجابت لغواية الحية ليصب عليها الرب لعناته، وهي عشر لعنات على حسب تفسير الحاخام يسحق برافديمي والذي استند في حكمه إلى الآية (تكوين 3/16) «تكثيرا أكثر أتعاب حبلك، وبالوجع تلدين أولادًا، وإلى رجلك يكون اشتياقك وهو يسود عليك».

وحسب برافديمي، يرى أن اللعنات المذكورة هي عشر لعنات تتمثل في عناء وتعب تربية الأبناء، والحمل ودم الحيض ودم غشاء البكارة. وفي المسيحية والإسلام أيضًا هنالك نصوص تأثرت في الفلكلور اليهودي حول المرأة وأهمها قصة خلق حواء من ضلع آدم مثلًا.

رغم أن اليهودية والمسيحية والإسلام أديان إبراهيمية وسماوية؛ لكن في المقابل هنالك (نحل بشرية) قد جابهت المرأة في احترام مطلق مثل السومرية والفراعنة. حيث تنقل لنا كتاباتهم أن المرأة إله وتهدى لها القرابين!

المرأة العربية.. قصة الوأد وخنق التفسير

إن لقصة الوأد مكانة كبيرة في استمرار خنق المرأة العربية المسلمة. فهذه الحادثة المنصوص عليها قرآنيًا وتاريخيًا كفيلة في النظرة الدونية للمرأة.

رغم أن قصة الوأد تحتاج إلى توطئة مهمة لفهم الحادثة وتفكيكها فبدون المرور عليها باعتبارها قصة مشهورة سنسرد أهم نقاط التفكيك.

– حادثة الوأد حادثة فردية لا جماعية من خلال الرواية الوحيدة التي تقول إن قيس بن عاصم التميمي وأد ثماني بنات من نسله.

– الوأد مسألة شخصية مرت بقيس بسبب رفض بناته الرجوع من أسر جيش النعمان بن المنذر بعدما خيرهن بين البقاء والرجوع.

– كلمة (كان العرب يئدون بناتهم) عبارة غير منصفة. فشمول العرب جميعًا بالوأد مسألة تحتاج إلى تأنٍّ فالحادثة صارت في بني تميم وحدهم ولم تذكر لنا الروايات أن هنالك وأدًا في الحجاز ومكة وسبأ!

– توثيق الحادثة بنص قرآني لا يعتبر أن الحادثة شائعة السلوك. فآيات الوأد كانت موجهة كحادثة شخصية وليست جماعية شأنها شأن كثير من السور التي نزلت في مسألة معينة مثل (تبت يدا أبي لهب وتب) فهنا الآية كانت مخصصة في حادثة إضرام النار وهي مخصصة لأبي لهب فقط.

المرأة العربية قبل الإسلام كانت إما سيدة قومها أو تاجرة أو حتى ملكة. وخير دليل على ذلك خطبة السيدة خديجة للرسول محمد (ص) كقصة مغايرة لما نسمع وما نعيشه اليوم. فهل سمعت ونحن في القرن الحادي والعشرين أن هنالك امرأة خطبت لنفسها رجلًا؟!

أين كانت زنوبيا وسميراميس وخديجة وبلقيس من الوأد؟ وحتى في صدر الإسلام كان للمرأة دور مهم في نشر الدعوة ونقل الحديث وإقامة الحلقات الدراسية، وأيضًا الوظيفة في الجهاز الحكومي مثل الشفاء بنت عبد الله حينما تولت السوق (نظام الحسبة) في زمن الخليفة الثاني. ولكن سرعان ما تحول الفقه إلى عدو للمرأة محاولًا تقليص دورها في البيت وتربية الأولاد ومتعة النكاح فقط!

التحولات الفقهية نحو المرأة المعاصرة

رغم الاستعراض التاريخي الذي بين حجم ودور المرأة العربية في صدر الإسلام وقبله؛ إلا أن النظرة الفقهية إلى المرأة تحولت واتسمت بالدونية من الرجل.

يمكن أن نختصر المسألة الجندرية بثلاث نقاط مهمة: الاقتصاد – البيئة – وتقلب العقل الفقهي، وهنا سنبين ما يلي:

المسألة الاقتصادية

من أهم قضايا التحول التاريخي في تعامل الرجل مع المرأة هو سيطرة الذكور على المفاصل الاقتصادية في الحياة العامة. فبعد أن أصبح الرجل صاحب رأس المال في الحياة الأسرية تراجع دور المرأة في حياتها تبعًا لظروف التبعية المالية.

فحتى الفقه ساعد في تقليص عمل المرأة في الميادين العامة وحال بينها وبين الإنتاج وحصرها في زاوية البيت.

المسألة البيئية

بيئة الرجل الفقيه تفرض عليه كمًا مهمًا في رؤيته الخاصة بتفسير النص الديني. فلو نلاحظ مدى اهتمام الفقه في قضايا النكاح سنعرف تمامًا أن الشغل الشاغل للفقيه هو الاضطراب الجنسي من حيث الكفاية والاعتدال.

عدم قدرة تحمل بعض الفقهاء وإلزام نفسه أمام المرأة من ناحية الانجذاب الفطري ساعد كثيرًا في إقصاء المرأة من الحياة. فقد ذهب بعضهم إلى أن إبعاد المرأة عن العين والتفكير يرى فيه فلاحًا للرجل!

تقلب العقل الفقهي

العقل الفقهي باعتباره رؤية خاصة بالإنسان نحو التشريع وصورة ذهنية حول القرار الفقهي، واجهت تقلبًا واضحًا من حيث المسميات وحتى قصة البحث في حقوق المرأة فهنالك تفصيلة مهمة أن حق المراة ليس مجملًا وإنما محصور في مفردة (المسلمة). لكي يصبح العنوان صحيحًا نقول: [حقوق المرأة المسلمة] ويبقى السؤال الدائر؛ إذن ما حقوق المرأة غير المسلمة؟

نستطيع أن نقول إن التقلبات جاءت من خلال:

  • تأثير الأسطورة في مخيلة التفسير.
  • الصراع الدائم بين العقل والتفسير الديني.
  • الرضوخ للنص وعدم قبول المحاججة.