العلمانية غربية المنشأ والتطبيق.

يتّفق خصوم العلمانية في الساحة الثقافية العربية، سواء كانوا من دعاة الحداثة أو الأصالة، على اعتبار العلمانية نموذجًا مستوردًا لإشكالية مستوردة. ففي رأيهم العلمانية رأت النور في الغرب. وبالتحديد الغرب المسيحي طبعًا. وما رأته إلا لتقدم جوابًا عن إشكال هو من إفراز الغرب المسيحي حصرًا: الصراع اللاهوتي والسياسي، الذي أخذ شكل حرب متوالية الحلقات وأشهرها حرب الثلاثين عامًا بين الغالبية الكاثوليكية والأقلّية البروتستانتية.

وبما أن العلمانية تعني «فصل الكنيسة عن الدولة» فلا حاجة لنا للعلمانية لأن الإسلام لا كنيسة فيه لنفصلها عن الدولة. كما توهّموا أن النموذج تم استيراده عن طريق «نصارى الشرق»، بل وتم اتّهامهم بالعمالة الحضارية للغرب ومعاداة الدين الإسلامي بحيث نشر الدكتور سفر بن عبد الرحمان الحوالي (العلمانية: نشأتها وتطوّرها وآثارها في الحياة الإسلامية المعاصرة) في موقع الصحوة الإلكتروني ما يلي: «ليس غريبًا أن يكون أول من دعا إلى العلمانية بشعارها الصريح أو تحت أسماء أخرى كالقومية والوطنية هم نصارى الشرق، فإن الحياة المطمئنّة التي كفلها لهم المجتمع الإسلامي – بل المحاباة الزائدة في الكثير من الأحيان – لم تكن لتطفئ نار الحقد المتأجّجة في صدورهم. ولئن كانوا يدركون أن هيمنة الشريعة الإسلامية هي العائق الأكبر لشفاء غيظهم ونفث أحقادهم، فقد استماتوا في إنهاء هذه الهيمنة وإحلال الأنظمة اللادينية محلّها، لكي تقضي على الإسلام».

إن من أوجه العلمانية هي مساواة الأقلّيات أمام القانون. لكن من المبالغة ترديد أن الأقليات المعنية في الدائرة العربية الإسلامية هي أقلّيات مسيحيّة. وإخفاء حقيقة أن العلمانية فلسفة وميكانيزم لتسوية العلاقات لا بين الأديان المختلفة حصرًا فحسب، بل كذلك بين الطوائف المختلفة في الدين الواحد. والحال أن التعدّدية في الدائرة العربية الإسلامية ليست محض تعدّدية دينية أو إثنية، بل هي تعدّدية طائفية. فالإسلام العربي بواقعه الديموغرافي الحالي، يتألف من غالبية سنّية بكل تأكيد، ولكن من أقلّيات شيعية ونصيرية وزيدية وإسماعيلية ودرزية وإباضية… ومنه نفهم أن العلمانية ليست قضية إسلامية – مسيحية أو إسلامية – لادينية كما يطيب لخصوم العلمانية تصوريها. بل هي قضيّة إسلامية–إسلامية.

وما تركيز خصوم العلمانية على البعد الأقلّوي ومحاولة وضع الإسلام في صراع مع الآخر على ظهر الفكر العلماني هي من سمات عقلية تعليق أمراضنا على مشجب الغير وهي من أكثر الآفات تعقيدًا التي لا نزال نعيشها إلى حد الآن. ومن يدّعي أن الانقسام المذهبي هو دسيسة خارجية، فما عليه إلا أن يتجنّب التسرّع ويذهب ليقرأ لـ«ابن كثير» ليفهم كيف كانت العقلية العربية التي اعتبرت الثأر قانونًا والصراع مع الآخر هو صراعًا صفريًا فإما الحياة أو الموت هي التي قسّمت المسلمين وقاد هذا التقسيم صحابة وتابعين وفقهاء وووعّاظًا سلاطين وخلفاء.

ومن يتمشدق بمقاومة «التغريب» و«النفوذ الخارجي» فما عليه إلا أن يقرأ لـ«ابن الأثير» ليعرف أن الذين يدّعون معاداة «الغرب» و«الفرنج» و«الكفّار» قد استعان بهم أجداده الخلفاء وفتحوا لهم الأبواب لتثبيت سلطانهم وتجنيدهم في الجيوش الإسلامية الغازية والاستعانة بخبراتهم في جميع المجالات بل وتمكّنوا من الوصول إلى الحكم في الإمبراطورية الإسلامية وممارسة تأثيرهم عليها، لا اعترافًا بحقوقهم، فليس ذلك عصرًا جديرًا بأن يسمّى عصر الحقوق وعصر كرامة الإنسان. بل كان ذلك خدمة للسلطان فقط. فمن غير المنطقي أن تدّعي حماية الأقلّيات غير الإسلامية وأنت أصلًا ترعى الاقتتال بين أبناء دينك الواحد.

للمزيد اقرأ المقال «الجذور الإسلامية للعلمانية» وأيضًا «في الفصل بين الدعوة والسياسة.. النبي محمد نموذجًا».

تهدف العلمانية إلى فصل الدين عن الحياة وإلى إقامة نظام حكم لا ديني.

ومن الهرطقات التي اخترعها بعض رجال الدين المسلمين ضد العلمانية هي أن العلمانية توجب محاربة الأديان وهذا غير صحيح، فالإسلام ما زال ينتشر بشكل كبير في أوروبا العلمانية. ولو كانت أوروبا تخضع لنظام الدولة الدينية القروسطي لتم حرق وصلب كل من تسوّل له نفسه اعتناق الإسلام أو التبشير بأفكاره. ولعاد عصر الحروب الصليبية. فالإسلام مدين بالكثير لدساتير الدول الأوروبية العلمانية التي تركته ينتشر في أرجائها بكلّ حرّية فعدد المسلمين في بريطانيا كان لا يزيد عن اثنين وثمانين ألفًا، أصبح الآن مليونين ونصفًا، بل سمحت العلمانية البريطانية لمسلم أن يصل إلى منصب عمدة أهم مدينة في العالم وهي لندن. وهناك توقعات في روسيا أن يبلغ المسلمون ما نسبته أربعون بالمئة من تعداد الجيش الروسي بحلول عام 2030، كما تؤكد الإحصائيات في فرنسا مهد العلمانية الحديثة أن الإسلام هو الدين الثاني في البلاد.

إذن أين خطر العلمانية على الإسلام؟ هل اختفى الإسلام من تركيا العلمانية أو من فرنسا أو من الدول الإسكندنافية «الملحدة»؟ الواقع يقول إن العلمانية هي وقود انتشار الإسلام وليس العكس. كما أن هذه الإحصائيات تظهر لنا واقعًا أليمًا وهو معاناة العقل المسلم من انفصام في الشخصية، فهو يطالب بمنحه الحق في ممارسة شعائره وحريّة بناء المساجد وإعلاء الأذان والصلاة حتى في الشوارع في البلدان غير الإسلامية. وفي المقابل تجده لا يتسامح أبدًا في بلاده مع دعوات الحرّية الدينية وحق غير المسلم في ممارسة شعائره والتبشير بدينه المخالف للإسلام بكل حريّة.

ومن يقول إن حاجة الأوروبي للدين هي سبب اعتناقه للإسلام، فنقول إنه لم يكن لتلك الحاجة أن تلبّى إلا في وسط مجتمعات ودساتير علمانية تمنع من التدخّل في خيارات المواطنين مهما كان نوعها ولأي سبب. والدعوات المضحكة التي تقول إن العلمانية تنشر الفساد، الانحلال الخلقي، النفاق والذرائعية، وغيرها من الآفات الاجتماعية… إلخ، فلم تكن يومًا نتاج فكر ليبرالي أو يساري أو علماني. الآفات تنتج بسبب الكبت والتضييق على الحريات والتعدّي على حقوق الناس وبتديين الحياة بجميع جوانبها.

أما المقولة الرائجة عند المفكّرين العرب المسلمين بأن هناك «علمانية متطرفة داعشية وعلمانية معتدلة» ففي رأيي الشخصي هذا تقسيم لا معنى له. ليس هناك ما يسمّى «العلمانية المتطرّفة أو العلمانية المعتدلة» لأن العلمانية اتجاه فكري واضح المعالم، أما «التعلمن» فمرتبط بسلوك الشخص والبيئة التي يعيش فيها ولهذا اختلفت التجارب العلمانية من بلد إلى آخر لكن الجوهر بقي كما هو، لذلك الاعتدال والتطرّف هما نتيجة للسلوك الذي ينتهجه الإنسان. مثل الأديان تمامًا فلا يمكن تحميل الأديان سبب العنف والإرهاب، لأن جوهرها الأصلي هو الإصلاح. السلوك البشري هو الذي يحمل في جوانبه العنف وهو الذي يحمله على تغليب هذا الجانب في فهمه وتطبيقه للدين ولأي فكر آخر. وهذا هو تفسير حقيقة أن التطرّف هو مرض نفسي له أسبابه الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، أكثر من ارتباطه بالنصوص والأفكار.

ولإخافة الناس يتم صبغ الدعاية ضد العلمانية بالدين فكما قال محمد أركون «يكفي أن تصبغ فكرة بالدين لكي يتبعك العرب» يتم المقارنة بين الإسلام والعلمانية كما تم المقارنة بين الإسلام والاشتراكية والإسلام واليسار أيّام السبعينيات. فهذه إما طريقة خبيثة لاجتذاب البسطاء الذين لا اطلاع لديهم على مثل هذه المواضيع وفي هذه الحالة يصبح الأتباع قطيعًا لأنهم لا يستطيعون النقد والمعارضة، لأنه في نظرهم معارضة الدين هي هرطقة وتجديف، أو أن الذين يسمون أنفسهم خصومًا للعلمانية ما زالوا يخلطون بين الديني والدنيوي ولا يستطيعون النظر إلى الأمور سوى بنظرة الدين وخصوصًا نظرة «الحلال والحرام».

لكن الذين يعقدون المقارنات بين الإسلام والعلمانية لا يعلمون أنهم يضعون الإسلام نفسه في وضع محرج لأن هناك الكثير من الدول التي طبقت العلمانية ووصلت إلى مستويات متقدمة من الحضارة والديمقراطية ولم تعرف الإسلام، مقابل العالم الإسلامي الذي أبدعت دوله في إنتاج النماذج الناجحة في التخلف في جميع الأصعدة والإرهاب والأنظمة الاستبدادية وتبرير استبدادها بالدين نفسه.

ورغم أن الفهم المتزمت للإسلام واحتكاره من طبقة محدّدة من المجتمع، ورفض كل محاولة تحديث هو الذي أنتج هذه الأوضاع الكارثية في العالم الإسلامي، نجد أنه من غير المجدي أن نقارن بين نماذج علمانية ناجحة وبين عقيدة تشعبّت عنها مئات المدارس والملل والنحل، بل يعتبر ذلك ظلمًا شديدًا للإسلام. وعليه يجب مراجعة الأسئلة على شاكلة «هل أنت مسلم أم علماني؟» فالسؤال عن العقيدة يجب أن يكون عقائديًا وليس سياسيًا.

وعلى أي حال هذا الخلط في المفاهيم يتحمله من يمارسون التزييف والتدليس بطريقة محترفة لكسب الأتباع. ومن العجيب على الذين ينتقدون العلمانية ويزعمون أنها خطر كبير على الإسلام أن نجد المسلمين في الهند يطالبون بالعلمانية واحترام الأديان وحرية المعتقد وهذا بسبب صعود الهندوس إلى الحكم وتهديداتهم للمسلمين بمواجهة مستقبل أسود، لكن بالمقابل لا يجد المسلمون أي حرج في مضايقة الأقليات الدينية غير الإسلامية وبل حتى الإسلامية التي تخالف رؤيتهم للإسلام. فالعلمانية في ديار المسلمين هي انحلال خلقي وإلحاد وفسوق وبئس المصير! وفي ديار الغرب هي حقّ بل ويطالبون بها عندما يحسّون خطر الأحزاب اليمينية الشعبوية هناك.

ومنه العلمانية ليست أيديولوجية حزبية أو فكرة عقائدية فيها حلال وحرام وثواب وعقاب حتى نقارنها بكل حماقة بالدين، بل هي دعوة للتحرر العقلي من عبودية الأفكار ومن السجون التي وضعها كهنة الأديان والتي أسموها زورًا «الثوابت» والتي هي في الحقيقة مجرد أفكار متحجرة لا تزيد الإنسان إلا شقاء. العلمانية ترفض التسليمات على العلات دون أي نقد. هي بكل بساطة خيارات تقول للإنسان حرّر عقلك وفكر بمنطق وعش وجودك كما هو، تريد أن تكون متدينًا هذا حقك ولا أحد له الحق في منعك، أما قرارك في أن تكون على غير دين فتلك خياراتك وأنت من تتحمل وزر يقينك ونتيجة تعقلك. لكن لا تفرض على الآخر أي شكل من أشكال الالتزام الذي تؤمن به أو تظن أنه من الواجب عليك فعل ذلك ظنًا أن ذلك تقرب من الله، فكما أنت حر بعقلك فللآخر حرية في عقله مساوية لحريتك وموازية لها تمامًا.