منذ الفجر الإنساني، ونجد الإنسان يبحث مرغمًا عن طرق التعبير، ونشأت اللغات الأولى -بشكلها البدائي نسبيًّا للغتنا الآن- طريقة عبقرية للتعبير عن ذاته، وفي الحقيقة نجد أن اللغة وسيلة لعبور الأفكار من جهة إلى جهة أخرى، ومع تطور اللغة في مسيرة البشرية وعصورها، تعددت استخداماتها، نجد الإنسان بالشعورية اتصلت حياته بالشعر ودل على ذلك الإلياذة والأوديسة لهوميروس .

وسرعان ما كان المسرح وسيلة للتواصل مع الآلهة، سواء وجدانيًا بحب آلهة الحياة والخلق والجنس والخصوبة والزرع والمطر، أو بكراهية آلهة الموت والنحس والكوارث، أما آلهة البحر في التاريخ الإنساني كانت حائرة بين الكراهية والحب، إذ إن رزق البحر من السمك كان محل الحب في مسارح الشعوب وقصصهم، أما نصيبهم في الكراهية كانت من غرق السفن، وظنت الحضارات القديمة أن الطاعون أتى من البحر.

لم يتوقف الإنسان في طرق التعبير على قاعدة معينة، الموسيقى تختلف في المسارح من عصر إلى عصر، والشعر ليس له قاعدة ثابتة في اللغة، وكأن البشرية اتفقت منذ البداية على أمرين لا ثالث لهما، المتعة والتعبير، وكان التعبير يتطور وفقًا للمتعة التي هي ابنة الرغبة، وكانت المتعة تزداد بالتعبير البسيط الذي هو بدوره ابن المهارة.

نجد اللغة العربية تبدأ بالشعر العمودي المقسم إلى شطرين وبحور شعرية، ثم يأتي إلى قصيدة النثر والتفعيلة، وسرعان ما نجد الشعر المترجم الذي فقد الوزن والقافية بسبب اختلاف نطق الكلمات بين لغة وأخرى، يدل على معنى الشعر الحقيقي وسيلة وصف خيالية وبيانية .

من اتباع الإنتاج العربي في الأمور الأكاديمية نجد أن غياب الإنتاج البحثي ناتج من غياب الدعم، كثيرًا ما نجد العلماء العرب يكتبون أبحاثهم ودراساتهم بالإنجليزية نظرًا إلى أن المؤسسات الداعمة للأبحاث والدراسات في الأصل مراكز بحث غربية، وعلى أي حال هناك فارق كبير بين الكتابة الإبداعية -التعبيرية عن الذات مثل الشعر والقصة- وبين الكتابة الأكاديمية من دراسات وأبحاث علمية.

وإذا ناقشنا أزمة النصوص الإبداعية في السنوات الأخيرة، سنجد أمورًا كثيرة لكي نتحدث عنها، لكن ربما أقرب تلك الأمور التي يجب أن نتحدث عنها للكاتب هي مسألة الخطوط الحمراء وأزمة الحريات في مجتمعاتنا الشرقية، وربما سبب تضييق الخناق على سير الرواية الواقعية التي يمكن رؤيتها بشكل واضح بالعين المجردة في حياتنا اليومية.

يعتقد بعضهم أن أزمة الخناق الديني كانت في عصر نجيب محفوظ فقط، إذ إن بعد تلك الأزمة لم يقدر الأزهر على إيقاف نشر عمل ما، أو إلزام كاتب بسطور وحدود معينة للسير فيها، ولكن الحقيقة ليست الأزمة في الكتابة الإبداعية في واقعنا العربي اليومي أزمة مؤسسات دينية فقط.

بل نستطيع القول والإجماع على أن الأزمة اليومية في سير الكتابة الإبداعية والتطور ناشئة عن خطورة الكتابة فيما ينكر القارئ وجوده، إذ إن القارئ العربي العادي ينكر وجود الملحد ، الشاذ ، متعدد الميول الجنسية، المرأة الساقطة والشيخ العابث بالنساء والأطفال، رغم أن جرائد الحوادث كل يوم تعلن عن الحوادث الفردية التي تؤكد وجود كل هؤلاء الأفراد في المجتمع.

لن يتحمل مثلًا القارئ حقيقة أن هناك ما يكرهه وينكر حقه في الحياة يجاوره في حياته اليومية، حتى وإن كان قيد خيال المؤلف ويحيا في منزل بني بالحبر، لأن القارئ لا يستطيع قبول أن هناك ديانة في أرضه غير المسيحية والإسلامية لكي يقبلها في بطاقة الهوية، ولا يستطيع فهم أن التفكير ضرورة وحق لكل إنسان، وأن للناس حقًّا في اختيار مصائرهم.

وبعد انتهاء الأزهر وقيوده على نجيب محفوظ، وقيام الأئمة على شوقي قبل كتابة نهج البردة، وما أعلنه كثير من المحافظين في أزمنة أخرى، أذكركم بقضية ناجي وازدراء الأديان التي لا تحتاج إلى توضيح تفاصيلها.

من حق الكاتب أن يخشى على حياته قبل أن يكتب سطوره، والسطور في عقل الكاتب مثل الطفل في بطن الأم حينما يأتي موعد ولادته، ومثل الرصاصة عندما تشق القلب، ومثل القطار حينما يصدم أحدهم أو يصل إلى محطته، كلها أمور قررت وأصبحت أمورًا واقعة تحتاج أن تصبح أمورًا معلنة.

الخطوط الحمراء في واقعنا العربي ليست فقط الدين والدولة كما يظن بعضهم، بل ما ينكره المواطن العربي كل يوم، وهي قائمة طويلة عريضة، كل يوم تضاف إليها أمور جديدة، ومن شدة خطورة المساس بتلك النقاط أخشى أن أذكرها بصفة مباشرة، كما كانت تكتب ج. ك لورينج على لسان شخصياتها حينما يتكلمون عن اللورد فولدمورت «الذي لا يجب ذكر اسمه» .

وبعد شرح أزمة الخطوط الحمراء، لماذا برأيك قدمت الأزمة مع سلسلة تناقش معارض الكتاب؟ يمكننا أن نقرأ رواية مثل رواية «سيد بطرسبرج– ج. ك كويتزي» بوصفها أحد روايات السيرة، التي تناقش تاريخًا لأشهر الكُتاب في التاريخ، وهو في الحقيقة من وحي خيال الكاتب، بينما نرفض عمل أحمد مُراد الذي يفترض فيه أن فرعون موسى ليس الفرعون الذي نعتقده.

أريد أن أوضح للقارئ أنه ربما يقبل العلاقات الجنسية المتنوعة في المسلسلات الغربية والأفلام التي من أصل روائي، والتي تجد رجلًا وامرأتين أو رجلًا ورجلين أو امرأة و20 رجلًا دفعة واحدة ولن يشتكي المشاهد، ولكنه حين يعلم أن عمارة يعقوبيان من أصل رواية للكاتب علاء الأسواني قد يعلن وقتها فخره بأنه لا يحب القراءة ولا يرحب بها في بيته.

نستطيع أن نرى أن الخطوط الحمراء ليست مبادئ كما يعتقد اليمين المحافظ، بل هي مسألة الخوف من الجوار وإنكار دائم بأن تلك الظواهر إنسانية تشمل جميع الأعراق والقوميات، ما نجده في الفن الإغريقي ما نجده في غيره، وما نجده في أفلام هوليوود نجده في شوارع الباطنية والحيتية، ولكن إذ قررنا أن نعترف بوجوده فقط.

وفي غياب ضمير القارئ وغير القارئ، وفي ظل إنكار المواطن وجود العديد من الأشياء، تستحيل محاولات سردها مساسًا بالخطوط الحمراء وحدود الوجود الاجتماعي لدى القارئ، ويصبح الكاتب خادشًا للحياء العام ومزدريًا للأديان ويحاول المساس بأمن الدولة واستقراراها وساعيًا إلى إنشاء الخصومات.

هذا المقال أهديه إلى فرسان القلم، من قال لهذا المجتمع إنه أبله، واعترف بوجود ما أنكره، وقدم أعمالًا إبداعية تمس خطوطه الحمراء، وهذا أيضًا توضيح للكاتب أن الكتابة ليست فقط هواية للمتعة، بل في مجتمعنا العربي وسيلة للهلاك في ظلمات السجن، ودوامة التكفير والتخوين.