لا أتصور أن الكلمات وإن تعددت وبليغ العبارات وإن أسهبت يمكن أن تصف حق الوصف مسيرة حياة جمال عبدالناصر، يطيب للبعض أن يسميه الزعيم أو الرئيس وهو حقا كذلك، لكنه فعليا وتاريخيا أكبر من ذلك، فالتاريخ حافل بالأباطرة والملوك والزعماء والرؤساء، لكن عظمة وقدر أى منهم تحتسب بما أحدثه من تأثير فى بلاده وخارجها، من نهج سار عليه ودرب خطه فى حياته وبعد مماته، جمال عبدالناصر الذى نعاصر مائة عام على ميلاده، كانت بالفعل حياته حافلة لم يقتصر مداها وتأثيرها على مصر بل امتد ليشمل العالم أجمع باعتباره رمزا للتحرر الوطنى والكفاح للخلاص من نيران الاستعمار والسعى نحو الاستقلال والبناء، ألهم عبدالناصر الكثيرين الذين تفاخروا بذلك مثل نيكروما ولومومبا وجيفارا وكاسترو ومانديلا وشافيز وغيرهم، كما ألهم شعوبا تطلعت إليه وإلى مصر كشمس تضىء وتهدى على درب الحرية والاستقلال.

مائة عام على ميلاد ابن الأسرة المصرية البسيطة الممتدة جذورها إلى أعماق صعيد مصر، وهو ابن الكلية الحربية ومؤسس تنظيم الضباط الأحرار الذى استطاع بعد قرون طويلة من الاستعمار والاحتلال أن يعيد مصر للمصريين، ولأول مرة منذ عصر آخر الأسرات المصرية الحاكمة تعود مصر حرة مستقلة ليحكمها أبناؤها، وتعود أرض مصر الطيبة لأصحابها الحقيقيين من الفلاحين الكادحين الذين عاشوا على هذه الأرض وبها منذ سالف العصور، فكانت قوانين الملكية والإصلاح الزراعى لتتحقق العدالة التاريخية للفلاح المصرى، ثم الاتجاه لتوسيع الرقعة الزراعية المصرية بالمشروعات الكبرى لاستصلاح الأراضى ومديرية التحرير التى غزت صحراء مصر وبعثت فيها الخير والنماء.

ولا يمكن لنا إلا أن نذكر لجمال عبدالناصر تشييده للسد العالى هرم مصر الرابع، وما لاقاه من عنت وتمنع المؤسسات المالية الدولية عن تمويله، فكان تأميم قناة السويس والصمود فى وجه العدوان الثلاثى الغاشم، وها هى الأيام تثبت يوما بعد يوم كيف كان السد العالى حصنا هائلا للأمن المائى لمصر لترتكز عليه فى مواجهة المخاطر والتهديدات الهيدرولوجية التى باتت تحوم حول مادة حياتها، فضلا عن كونه مصدرا للطاقة الكهربائية التى أنارت ربوع مصر من بعد ظلام.

***

امتدت إنجازات جمال عبدالناصر إلى مجال الصناعة عندما قامت مصر فى عهده بتشييد الصناعات الثقيلة كالحديد والصلب والأسمنت والترسانات، فضلا عن مصانع الألومنيوم والبتروكيماويات والسيارات والغزل والنسيج، وفى الصناعات العسكرية خطت مصر خطوات كبرى لتصنيع الطائرات والمحركات النفاثة وكذلك صناعة الصواريخ بمساعدة العلماء الألمان، وتأسست فى عهده الكلية الفنية العسكرية، كما دخلت مصر فى عهده إلى مجال الطاقة النووية بتأسيس أول مفاعل نووى مصرى فى أنشاص، وهى جميعها خطوات عملاقة لو أتيح لها الاستمرار والنجاح لكان لمصر شأن آخر.

كانت مصر جمال عبدالناصر مددا وعونا للشعوب العربية والإفريقية فى مسيرتها للتحرر الوطنى، وهو ما جعله هدفا لغضب وترصد الحكومات الاستعمارية الغربية، ولم تنس له بريطانيا وفرنسا ذلك الدور الذى قام به فى تقويض إمبراطورياتهما الاستعمارية وإسقاطهما من مكانتهما، وأخذتا هما وغيرهما من الدول الغربية تشاهدان بحنق تأسيسه لمنظمة الوحدة الإفريقية وحركة عدم الانحياز والتفاف الدول حول مصر الرائدة فى عهده، ولم ينس له هؤلاء أنه ومنذ شبابه المبكر ومنذ قاتل فى معارك حرب 1948 كانت قضية فلسطين حاضرة على الدوام فى قلبه وعقله وكان العدو الصهيونى له هو العدو اللدود هو ومن يدعمه، فكانت رعايته لتأسيس حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية ودعمها بالتدريب والسلاح.

هؤلاء الأعداء شاهدوه والحسرة تملأ قلوبهم وقد استطاع توحيد مصر مع حليفتها التاريخية سوريا فى تجربة وحدوية عربية رائدة، لولا ما شابها من أخطاء وما أحيط بها من مؤامرات وترتيبات لإنهائها والقضاء عليها لغيرت مسار التاريخ فى اتجاه آخر، شاهدوه وهو يتخذ قرارا شجاعا بإرسال وحدات من الجيش المصرى إلى اليمن لتساند ثورة اليمن الوليدة للخروج باليمن من حكم الأئمة الذى أبقى هذه البلاد لقرون طويلة فى عصور الظلام والتخلف والجهل، ولم يتركوه يحقق هدفه النبيل فكان تحالف الاستعمار والرجعية لإنهاء هذا الدور والقضاء عليه بأى ثمن حتى لو كانت سبائك الذهب فى مقابل رءوس الجنود المصريين واستنزاف الجيش المصرى فى جبال اليمن.

كانت حرب اليمن بمثابة الفرصة السانحة للقيام بحرب يونيو 1967 فقرابة نصف الجيش المصرى فى الميدان اليمنى على بعد آلاف الكيلومترات وقد استنزف بعد سنوات من الحرب، وكانت عوامل عديدة تتداخل إقليميا ودوليا تهيئ لما سيجرى لاحقا حين قام العدو الإسرائيلى بعدوان يونيو 1967، وعلى الرغم من التداعيات الكارثية لما حدث فقد تحمل عبدالناصر المسئولية كاملة لم يلقها على أحد ولم يتنصل منها، وعلى الرغم من أن وقائع تلك النكسة وتداعياتها تعد من الموضوعات المفضلة للهجوم عليه ومحاولة النيل منه، فإنه لا يمكن اختزال مقدمات وأسباب ووقائع وتداعيات حرب 1967 أو النظر إليها وتحليلها من منظور واحد ومن مدخل واحد هو المسئولية الشخصية.

***

وإن قبلنا جدلا وعلى مضض بذلك المدخل فى التحليل السياسى بتحميل الزعماء المسئولية السياسية عن كل شىء، فيمكن لنا أيضا أن نحمل ستالين المسئولية الشخصية عن هزيمة الجيوش السوفييتية والتراجع المخزى أمام القوات الألمانية فى الحرب العالمية الثانية ومقتل 20 مليون جندى، أو أن نحمل الرئيس روزفلت المسئولية الشخصية عن معركة بيرل هاربر وتدمير معظم الأسطول البحرى الأمريكى ومقتل أربعة آلاف جندى فى خمس ساعات، وعلى الرغم من ذلك فقد تحمل عبدالناصر المسئولية من تلقاء نفسه، والتف حوله الشعب المصرى المخلص كما لم يحدث فى التاريخ أن التف شعب حول قائده بعد تعرض جيشه لما تعرض له، وكانت ملحمة إعادة بناء وتسليح الجيش المصرى، وخوض حرب الاستنزاف طوال ثلاث سنوات، ووضع خطة تأسيس وبناء حائط الصواريخ المصرى الشهير، ثم وضع الخطة 200 الشاملة والخطة جرانيت والتى كانت نواة الخطط اللاحقة لعملية العبور العظيم فى أكتوبر 1973.

وما قد ذكرنا آنفا إن هو إلا غيض من فيض عن إنسان هو قيمة وقامة سواء فى حياته أو بعد مماته، عاش ولا يزال يعيش فى قلوب ملايين المصريين والعرب وملايين الشرفاء والأحرار فى جميع أنحاء العالم، إنسان عندما صعدت روحه إلى بارئها ودعه شعبه بأكبر جنازة فى التاريخ، أقيمت من أجله مجالس العزاء والسرادقات فى جميع المدن العربية والقرى فى أعالى الجبال ومفازات الصحراء، إنسان تحمل اسمه مئات الشوارع والميادين الكبرى فى جميع أنحاء العالم، وبعد قرابة خمسة عقود على رحيله مازالت تكتب عنه المقالات وتوزن القصائد وتدبج المؤلفات وتقام الندوات، هذا كان ابنا لمصر ومن معدنها النفيس.