تأتى انتخابات الرئاسة المصرية الوشيكة بعد قرنين وثلاثة عشر عاما من تأسيس الدولة الحديثة فى مصر، بيد بانيها محمد على باشا الكبير.

عرفت مصر خلال هذه الحقب المتطاولة عشرة حكام من أسرة الباشا، وأربعة رؤساء للجمهورية، إذ استثنينا ــ وهو استثناء لابد منه ــ الفترة الوجيزة لرئاسة كل من اللواء محمد نجيب، والرئيس الإخوانى محمد مرسى.

فى هذه العهود تغيرت أشياء كثيرة فى مصر اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وعمرانيا، بفعل التطور، ولكن معادلة الحكم والسياسة لم تتغير إلا فى أحوال نادرة جدا، وتحت وطأة قوى قاهرة فى الغالب.

ما نقصده هو أن القوة السياسية، أو السلطة ظلت احتكارا وامتيازا لمركز الحكم المكون من الحاكم نفسه، والدائرة الضيقة المحيطة به، والتى تستمد نفوذها منه، دون مشاركة أو مراقبة أو مساءلة من المحكومين، أو من أية أطراف أخرى، إلا إذا أرغم مركز الحكم إرغاما على قبول بعض المشاركة، وربما المزاحمة، لكن تلك الأخيرة ــ أى المزاحمة ــ كانت تأتى دائما من الخارج.

أولى حالات المزاحمة على السلطة التى عرفها التاريخ المصرى الحديث هى ما سمى بالوزارة المختلطة أو الوزارة الأوروبية فى عهد الخديوى إسماعيل، عندما اضطر لتعيين وزير بريطانى للمالية، ووزير فرنسى للأشغال العامة، وذلك تحت وطأة مشكلة الديون الأجنبية، غير أن أوضح وأوقح صور المزاحمة كانت هى الاحتلال العسكرى البريطانى، إذ خلق هذا الاحتلال مركزا موازيا للسلطة، وربما أقوى فى كثير من المناسبات، وهو الوضع الذى وصفه أستاذ الجيل أحمد لطفى السيد فى حينه بقوله إن فى مصر سلطتين، الأولى فعلية هى سلطة الاحتلال، والثانية شرعية هى سلطة الخديوى.. ثم السلطان، ثم الملك فيما بعد.

ومن المفارقات المحزنة فى تاريخنا أن الصراع، أو التباين بين هاتين السلطتين هو الذى أتاح الفرصة لدخول المحكومين (أى الشعب) ــ تدريجيا ــ طرفا ثالثا إلى معادلة السياسة والحكم فى البلاد، أولا من خلال المؤسسات الأهلية، وثانيا من خلال الأحزاب السياسية فى طورها الأول، وثالثا من خلال ظهور قوة الرأى العام، وأخيرا وهذا هو التطور الأهم من خلال ثورة 1919.

فإذا كانت هذه الثورة قد حفرت مجرى واسعا وعميقا فى الوعى العام بالوطنية المصرية، وبالدور الأساسى للشعب فى معادلة السلطة، فإن هذا المجرى فى الوعى تحول إلى نهر متدفق فى الحياة السياسية العملية، بريادة حزب الوفد، تحت قيادة زعيميه التاريخيين سعد زغلول، ومصطفى النحاس، وهذا هو الدرس الأكبر والأهم لثورة 1919 مقارنة بثورة 25 يناير 2011، وبعبارات أخرى فقد كان من المحتمل أن تنتهى ثورة 1919 بتصريح 28 فبراير عام 1922، الذى ألغى الحماية البريطانية على مصر، لولا تأسيس حزب الوفد، وانضواء الأغلبية الشعبية تحت لوائه، وهذا التطور وحده هو ما أدخل المحكومين (أى الشعب) طرفا رئيسيا فى معادلة الحكم والسياسة، وكذلك فلولا قيام الوفد كحزب لقيادة تلك الأغلبية الشعبية لكان من الوارد أيضا بقوة أن يتحول دستور 1923 إلى مجرد وثيقة أرشيفية، أو لأفرغ من مضمونه، كما هو حال جميع دساتير نظام يوليو 1952، فعلى الرغم مما جرى من انقلابات على دستور 1923، ومخاتلات فى تطبيقه، فإن وجود الوفد ممثلا للقوى الشعبية الأكبر منع تركز السلطة فى القصر الملكى، كما حال دون تقاسمها بارتياح من وراء ظهر الشعب وعلى حسابه بين الملك وبين المندوب السامى البريطانى.

الدرس هنا باختصار أن كل أدوات العمل السياسى (أو النضال السياسى لمن يحبون هذه الكلمة) عدا الأحزاب هى بطبيعتها مؤقتة، ومحددة البواعث والأهداف، سواء كانت ثورة، أو مظاهرة أو اعتصام أو اضراب، أما الأداة دائمة الفاعلية، ومطردة الجاذبية، وصانعة الخبرات، ومؤهلة الكوادر فهى الأحزاب، ولا شىء غيرها، إلا أن يكون رافدا لها، ولذا فإنه من عجائب أو تناقضات الحياة السياسية المصرية أن جميع المهتمين بالشأن العام ــ عن فهم وبصيرة ــ متفقون على الحاجة الماسة إلى تغيير معادلة الحكم فى البلاد، بدخول القوى الشعبية طرفا رئيسيا مشاركا ومراقبا ومسائلا فى هذه المعادلة، ولكن الغالبية الغالبة من هؤلاء المهتمين تبقى متباعدة عن الحركة الحزبية، مع أنها الطريق الوحيد لبلوغ هدف التغيير.

الأسباب الشائعة لهذا التباعد هى اليأس من الأحزاب نفسها بسبب ضعفها المتوارث وانقساماتها، أو اليأس من الحياة السياسية برمتها، أو الاستسلام دون مراجعة لعادة مترسخة منذ يوليو 1952، وتتمثل فى ممارسة السياسة فى المناسبات فقط، ما كبر منها وما صغر، ومن أمثلة المناسبات الكبرى ثورة يناير، والتحرك لإسقاط حكم الإخوان فى 30 يونيو، وتفويض وزير الدفاع فى مكافحة الإرهاب المحتمل، ومن قبل ذلك رفض هزيمة 1967 برفض تنحى جمال عبدالناصر، أما المناسبات الأصغر فتتمثل فى بعض (وليس كل) الاستحقاقات الانتخابية، أو الاحتشادات الاحتجاجية.

غير أن كل تلك الأسباب، وإن كانت كافية للتفسير، فهى لا تكفى لتبرير الإحجام عن المشاركة فى الحركة الحزبية، ذلك أن ضعف الأحزاب يعود إلى هذا الإحجام، مثلما يعود إلى انقساماتها الداخلية، ومثلما يعود أيضا إلى التضييق السلطوى عليها، والى إغلاق أبواب العمل السياسى المشروع فى وجهها بالأساليب الإدارية والبوليسية، ولنفترض مثلا وجود أحزاب مليونية العضوية فى مصر، ونتساءل: هل يضعفها التضييق السلطوى مثلما يضعف أحزابا لا يزيد عدد الأعضاء فيها على بضع مئات أو بضعة آلاف؟ ولنتساءل أيضا: هل ستعجز الأحزاب المليونية عن تأسيس مقار تتسع لمؤتمراتها، مثلما تعجز الأحزاب الحالية؟ ثم لنتساءل ثالثا: هل ستفرض قيادات بعينها على أحزاب من الطراز الجماهيرى كبير الحجم الذى نتحدث عنه ؟! أم أن الأعضاء هم الذين سيفرضون اختياراتهم بالآليات الديمقراطية المتعارف عليها؟

فإذا واصلنا التساؤلات، فهل تستطيع أية سلطة أن تستمر إلى ما لا نهاية فى تجاهل أحزاب بمثل هذه القوة المفترضة؟ الإجابة هى لا بالطبع، فآجلا أو عاجلا سوف تضطر السلطة إلى قبول المشاركة.

أكثر من ذلك فإن جميع حالات التحول من الحكم الشمولى ــ عسكريا كان أو مدنيا ــ إلى الحكم الديمقراطى بعد الحرب العالمية الثانية اعتمدت على وجود حركة حزبية قوية فى المجتمع المعنى، حدث ذلك فى شرق وجنوب شرق آسيا، وفى تركيا وفى أوروبا الشرقية، وفى أمريكا الوسطى وأمريكا اللاتينية، أما الحالات التى تعثر أو أجهض فيها التحول الديمقراطى مثل رومانيا وروسيا ومعظم الدول العربية فكانت أحزابها ضعيفة، أو هامشية.

لقد كان مفهوما أو مبررا أن تعجز الأحزاب المصرية عن اكتساب الزخم الجماهيرى قبل ثورة يناير، بما أنها ظلت أسيرة للجمود السياسى العام قبل هذه الثورة، وبما أنها بقيت مصابة ــ لا شعوريا ــ بأعراض موروثة من عهد الاقتصاد الموجه من الدولة، والمملوك لها فى معظمه بإداراته وموظفيه وعماله، أما بعد ثورة يناير التى أنجزت القطيعة مع تلك الخبرات السلبية، وحفرت مجرى واسعا فى الوعى الجمعى بإخفاق صيغة الحكم السلطوى، طيلة القرنين الماضيين من الزمان، خاصة العقود الستة الأخيرة منها، فليس مفهوما ولا مبررا ألا يتحول هذا الوعى إلى عمل حزبى منظم، دائم الفاعلية، ومطرد الجاذبية كما سبق القول.

لذا فإن الفريضة الغائبة عن كل مصرى ومصرية يريد أو تريد التغيير السلمى نحو الديمقراطية هى الانخراط فى الحزب الملائم لفكره أو فكرها، واختياراته أو اختياراتها، أو التعاون مع شركاء الرؤية لتأسيس وتقوية الحزب الجديد الملائم.