الكلمة التى ألقاها شيخ الجامع الأزهر الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب فى افتتاح مؤتمر الأزهر العالمى لنصرة القدس صباح يوم الأربعاء الماضى، واحدة من أقوى الكلمات فى الفترة الأخيرة. الرجل كان واضحا وحاسما فى أفكاره، ومعبرا بصدق عن معظم آمال العرب والمسلمين فيما يتعلق بقضية القدس والصراع مع العدو الصهيونى.

كان الإمام الأكبر موفقا حينما شكر الرئيس عبدالفتاح السيسى فى بداية كلمته، على رعاية المؤتمر، قاطعا الطريق على محاولة اختلاق خلاف مع الرئيس.

وقال كثيرون، إنه ما كان يمكن للمؤتمر أن ينعقد بهذا الحضور المتميز والكلمات القوية، من دون موافقة ومباركة الدولة وأجهزتها ورئيسها، وكان يمكن التماس مليون عذر لتأجيله أو تضييقه إذا رغبت الدولة. وبالتالى فإن المؤتمر ربما عبّر عن أن الدولة المصرية وحكومتها لا تزال ملتزمة بعروبة القدس، ردا على التسريبات التى نشرتها «النيويورك تايمز» مؤخرا.

فى صلب الموضوع قال الإمام الأكبر إن المؤتمر قد لا يتوقع منه أن يضيف جديدا، لكن حسبه أنه يدق – من جديد ــ ناقوس الخطر، ويشعل ما عساه قد خبا وخمد من شعلة العزم والتصميم، وإجماع العرب والمسلمين وعلى ضرورة الصمود أمام العبث الصهيونى الهمجى.

كان الإمام الأكبر موفقا جدا وهو يقول: «إن كل احتلال إلى زوال إن عاجلا أو آجلا، وإنه إن بدا اليوم وكأنه أمر مستحيل إلَّا أن الأيام دول، وعاقبة الغاصب معروفة، ونهاية الظالم وإن طال انتظارها، معلومة ومؤكَّدة.. واسألوا تاريخ روما فى الشرق، واسألوا الفرس عن تاريخهم فى شرق جزيرة العرب، أن كل قوة مُتسلِّطة محكوم عليها بالانحطاط». لكن ذلك يتطلب امتلاك القوة التى ترعب العدوان وتكسر أنفه، «ونحن دعاة سلام عادل، تدعمه قوة علم وتعليم واقتصاد وتحكم فى الأسواق، وتسليح يُمكِّنه من ردِّ الصاع صاعين.

قال الشيخ أيضا: «كُتب علينا أن يعيش بيننا عدو دخيل لا يفهـم إلَّا لغـة القـوة، فليس لنـا أى عُذر فى أن نبقى حوله ضعفاء، وفى أيدينا – لو شئنا ــ كل عوامل القوة ومصادرها».

يقول الطيب: «ليس الكيان الصهيونى هو الذى ألحق بنا الهزيمة فى 48 أو 67 أو غيرهما من الحروب والمناوشات، وإنما نحن الذين صنعنا هزيمتنا بأيدينا، وما كان لأمة موزَّعة الانتماء، مُمزَّقة الهُوية والهوى أن تواجه كيانًا يقاتل بعقيدةٍ راسخةٍ».

يضيف الطيب: «لقد بدأ العد التنازلى لتقسيم المنطقة وتفتيتها، وتنصيب الكيان الصهيونى شرطيًّا عليها، وأملى أن يتمخض المؤتمر عن نتائج ومقترحات غير تقليدية، أهمها إعادة الوعى بالقضية الفلسطينية عامة وبالقدس خاصة، خصوصا فى مناهجنا التعليمية والتربوية فى كل مراحل التعليم العاجزة الآن عن تكوين أى قدر من الوعى بهذه القضية فى أذهان ملايين الملايين من شباب العرب والمسلمين، مقارنة بشباب المستوطنات الذى تتعهده منذ طفولته مناهج تربوية وأناشيد وصلوات تُشكِّل وجدانه العدائى.. وتُغذيه بالعنصرية، وكراهية كل ما هو عربى ومسلم.. وهذا الذى نفتقده فى مناهج التعليم نفتقده أيضًا فى وسائل الإعلام المختلفة، فى عالمنا العربى والإسلامى.

وثانى المقترحات هو: أن القرار الجائر للرئيس الأمريكى، يجب أن يُقابل بتفكير عربى وإسلامى جديد يتمحور حول تأكيد عروبة القدس، وحرمة المقدسات الإسلامية والمسيحية.

ومن أهم النقاط التى جاءت فى كلام شيخ الأزهر قوله:

«علينا ألا نتردد فى التعامل مع قضية القدس من المنظور الدينى: إسلاميًّا كان أو مسيحيًّا. لأن كل أوراق الكيان الصهيونى دينية خالصة لا يدارونها، ولا يحسبونها سوءات يتوارون منها، وماذا فى يد هذا الكيان من مبررات فى اغتصاب أرض تنكره، بل ينكره آباؤه وأجداده غير التهوس بنصوص وأساطير دينية تبرر العدوان، بل ماذا فى يد الصهيونية المسيحية الحديثة التى تقف وراء هذا الكيان وتدعمه، غير تفسيرات دينية زائفة مغشوشة».

واقترح الطيب أن يتم تخصيص عام 2018 ليكون عامًا للقدس الشريف وأن تتنبه نُخب الأمة إلى أنها أمة مستهدفة ــ وبمكر شديد ــ فى دينها وهويتها ومناهجها التعليمية والتربوية، ووحدة شعوبها وعيشها المشترك، وعلى الأمة أن تعتمد على سواعدها، وأن تستعيد ثقتها فى الله وفى أنفسها وفى قدراتها، وألا تركن إلى وعود الظلمة القابعين وراء البحار ممن قلبوا لنا ظهر المجن، وتجاوزوا كل الخطوط الحمراء.

السؤال هل نبدأ فى تطبيق أى من هذه المقترحات؟!!.