جلال قبطان (فلسطين)

في لغاتٍ ثلاث، تطالعك لافتات مكتوب عليها “بيتي مش للبيع”، إذا ما قرّرت التجول في أحياء مدينة عكا القديمة. لافتات تؤكد إصرار الفلسطينيين على مواجهة “الترانسفير” الذي يلوح في الأفق الإسرائيلي، لاقتلاعهم من أرضهم ومصادرة منازلهم التي ورثوها ابّاً عن جد.


هي حرب صامتة يخوضها أبناء عكا ضد مشروع “مدينة طنطور”، والذي سمي كذلك نسبة إلى بلدة طنطور المهجرة عام 1976 بالقرب من قرية جديدة – المكر، والمزمع إقامة مجمعات سكنية على أرضها (أغلبها املاك خاصة لفلسطينيين) بهدف نقل سكان عكا القديمة إليها.
وعلى الرغم من أن طرح الحكومات مشاريع بناء مدن نموذجية مؤشر جيد في الإجمال، نظراً إلى أهدافه المتمثلة بتحسين المستوى المعيشي للسكان، وإيجاد فرص جديدة للعمل، إلا أنها في حالة “الطنطور” تجردت من كل أوجهها الإنمائية، واقتصرت على خدمة هدف سياسي مبرمج، يسعى إلى طرد الفلسطينيين من عكا، وإنهاء الوجود العربي فيها. ولهذه الغاية، تقود شركة عميدار الإنمائية المهمة العنصرية، من خلال السعي إلى تكبيل السكان المحليين، والتضييق عليهم من خلال الديون والضرائب العالية التي تضعهم أمام خيارين، أحلاهما مر، هما القبول وبيع المنازل أو مواجهة القضاء. ولأن أهالي عكا، كأغلب الفلسطينيين، يصنفون ضمن شريحة الفقراء في المجتمع الإسرائيلي، كون المناطق العربية محرومة من أماكن العمل، ولا توجد فيها مناطق صناعية بالمواصفات المطلوبة والحضارية التي تكفل حياةً كريمة للفلسطينيين، سيجدون أنفسهم غير قادرين على مواجهة الشركة الحكومية في الصعد كافة، ليتنازلوا مرغمين عن بيوتهم، لتكون النتيجة سيطرة شركة عميدار على أكثر من خمسين منزلا في عكا القديمة.
ولا يكمن الخطر فقط في عمليات النقل الجماعي للعرب، كون فلسطين، من بحرها إلى نهرها، هي بلادهم وصمودهم يمكن أن يترجموه على أي بقعة من هذه الأرض، إلا أن الأخطر محاولة تطبيق اسرائيل نظام “الغيتو” العنصري على عرب عكا بتجميعهم في بقع جغرافية محددة، تحرمهم الحق في التوسع ديمغرافياً وأبسط حقوقهم، وهو اختيار مكان إقامتهم، شأن سائر الفلسطينيين في المدن الرئيسية والحيوية، لا سيما عكا التي شهدت في السنوات الأخيرة ازدياداً في أعداد الفلسطينيين، وصلت إلى ثلث عدد السكان تقريبا، وهناك غالبية عربية في المدينة القديمة، إلى جانب موجة الهجرة الملحوظة للفلسطينيين من القرى المهمشة باتجاه مدن الجليل، وهو ما يخيف القيادة الإسرائيلية من تأثيراته المستقبلية.
ومثل مشروع الطنطور لا تقتصر فوائده على “حشو” الفلسطينيين في مناطق محددة، بل إنها ستنعكس إيجاباً لصالح المهاجرين الجدد، وتدعم السياحة، وخصوصا لغير العرب، وتمهد، بشكل تدريجي، لإعلان يهودية الدولة الإسرائيلية، مع تحول الفلسطينيين شيئاً فشيئا إلى أقليات غير مؤثرة، أقصى ما تتمتع به هو حقوق المواطنين، إنما من الدرجة الثانية.