رشا عمران

مثلما كان هناك ذات يوم في التاريخ البشري عصر سمي بعصر الأنوار، فإن الاسم الذي سيطلق على عصرنا الحالي هو عصر  الإرهاب، ليس فقط لكمية العنف غير المسبوقة في العالم، وإنما أيضاً لتحول أنماط السلوك البشري اليومي إلى أنماط عنفية، تتضح في ردود أفعال البشر على كل ما يحدث، وهذا لا يمكن تصنيفه بالاستثناء، أو بغير الطبيعي، فالعنف منتشر ومتنقل ومتعدد الأشكال والمظاهر، والميديا العالمية مجندة ليلاً نهاراً، لنقل أخبار الموت الجماعي، والقتل والذبح والحرق والغرق، والمجازر والتفجيرات والمجاعات، والقصف والتشرد والهروب من الموت، والعنصرية والفاشية الحديثة، كل هذا ينتقل إلى البشر عبر الميديا، ويختزن في الذاكرة، ويظهر لاحقاً في السلوك البشري الفردي والجمعي.

ولو أضفنا إلى كل ما سبق التحالفات التي تشكلها الدول الكبرى، والدول الصغرى، لمحاربة الإرهاب، التحالفات العسكرية والسياسية والاقتصادية، وأحصينا عدد المرات التي تذكر فيها مفردة الإرهاب في الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب حول العالم، ولو أحصينا أيضاً عدد الضحايا خلال الخمس سنوات الماضية، لتأكدنا تماماً كيف أن هذا العصر سيذكره التاريخ ذات يوم تحت اسم عصر الإرهاب.

لم يعد الإرهاب مقتصراً على سلوك  تنظيماتٍ راديكاليةٍ مصنفةٍ أساساً تحت هذا البند، صار للإرهاب أشكاله المتنوعة، وتم إيجاد ذرائع  كثيرة لتبريره، وإيجاد مخارج دولية عديدة لغضّ النظر عنه، فتحت اسم محاربة الإرهاب، ترتكب غالبية الجرائم اليوم، فالشعوب العربية التي خرجت تطالب بأبسط حقوقها في الحياة تحولت، بين ليلةٍ وأخرى، إلى شعوبٍ إرهابيةٍ برأي المجتمع الدولي، تفتك فيها أنظمتها، وتقتل مئات الآلاف منها، وتشرد الملايين، وتدك المدن فوق رؤوس سكانها، والعالم يصفق لهذه الأنظمة العظيمة التي تحارب الإرهاب، تحشد الدول الكبرى طائراتها وجيوشها، وتنشئ تحالفاتٍ مشتركةً مع هذه الأنظمة لمساعدتها على محاربة الإرهاب، فيقتل المزيد من المدنيين، ويتم تشريد المزيد من هذه الشعوب، بينما من يدّعون محاربتهم يتنقلون آمنين، ويسيطرون على أماكن جديدة تحت مرأى العالم الذي يحارب جميعه الإرهاب.

وتحت اسم محاربة الإرهاب أيضاً، يزج بآلاف الشباب في المعتقلات، ويغيبون ويختفون ويقتلون، من دون أن يتحرك ضمير أحد لإنقاذهم. وتحت اسم محاربة الإرهاب، يتم حصار  مجموعات بشرية كبيرة، ويمنع عنها الغذاء والماء والدواء، فيموت أهلوها فرادى وجماعات، أو يقتل الهاربون من الموت على الحدود، وفي البحر، وفي الغابات، ويختنقون في الشاحنات المغلقة، ولا يرف جفن للضمير العالمي المشغول بمحاربة الإرهاب.

وتحت اسم محاربة الإرهاب، يغلق العالم كله، من دون استثناء حدوده وأبوابه في وجه أعرق شعوب الأرض التي تتعرض لمذابح ومجازر يومية، من الدول والأنظمة التي تدّعي محاربة الإرهاب. وتحت اسم محاربة الإرهاب، قد يعدم شاعر بشبهة الإلحاد في دولةٍ تحارب الإرهاب. وتسجن شاعرة لأنها عبرت عن اعتراضها على طقس ديني اجتماعي لا قدسي، في بلد آخر أيضاً يحارب الإرهاب. وتقفل أماكن ثقافية وتنويرية بذرائع واهية في بلد آخر يسانده العالم في محاربته للإرهاب.

أما التجلي الأكبر لمحاربة الإرهاب فهو في تغطية التماثيل العارية في روما لدى زيارة رئيس دولة إسلامية لها، روما التي تفاخر بتراثها الفني العريق تحارب الإرهاب بستر عورة تماثيلها الجميلة، مقابل صفقات اقتصادية مع تلك الدولة. هذا الإرهاب المباشر وغير المباشر، والذي يمس البشر يومياً حول العالم، كما لو كان موجات برق قوية لا تتوقف، أحالنا جميعاً إلى بشر عصابيين، وغيّر في أنماط سلوكنا تجاه الآخرين وتجاه أنفسنا، لم تعد علاقاتنا البشرية طبيعية، صار فيها عنف مخفي، يمد رأسه كل حين، لينبهنا كم أصبحنا مهزومين وضعفاء، ومعرّضين لموجاتٍ متلاحقةٍ من الاكتئاب.

ولأن الفروق اللفظية قليلة بين مفردتي الاكتئاب والإرهاب، ولأن الاكتئاب الحالي إحدى مصادره جملة محاربة الإرهاب التي باتت تلفظ أكثر من جملة صباح الخير، ولأن الخلاص الفردي من كل هذا الجنون بات هو المتاح فقط، صار من الطبيعي أن تتصل بي إحدى الصديقات، وتقول: تعالي نذهب اليوم إلى النادي الرياضي، أو إلى صالون التجميل، أنا لست طبيعية وحزينة، ويجب أن أحارب موجة الإرهاب التي تجتاحني هذه الأيام!