لم تستطع الثقافة السياسية التي نشأت على هامش معاركنا الأخيرة أن تبلور، في نظرنا، مشروعاً في الدفاع التاريخي عن الحداثة السياسية. وقد ترتَّب عن ذلك ما يُلاحظ من هشاشة ثقافة الإصلاح والتغيير، المواكبة لتجاربنا في التحوُّل الديمقراطي.

حلت قبل أيام الذكرى السابعة لانطلاق المظاهرات السلمية التي ملأت الشوارع في المدن التونسية، ثم انتقلت تدريجياً إلى ميادين أخرى، في أغلب الدول العربية، لتشكِّل واحدةً من علامات تاريخ جديد، يرتبط بمشاريع الإصلاح السياسي التي نشأت وتبلورت في ثقافتنا السياسية، طوال عقود القرن العشرين.
يَحِقُّ أن نتساءل، ونحن نتأمل نتائج ما جرى وتداعياته، ونُعايِن الصعوبات والممانعات التي تواجه إرادة الإصلاح والتغيير في مجتمعاتنا، هل ما زال التغيير ممكناً؟ ونحن لا نشك في أن التغيير كان وسيظل مطلباً مُلِحّاً في مجتمعاتنا، سواء افترضنا أن التغيير المتمثِّل في الانفجارات التي أطاحت رؤوس أنظمة سياسية سنة 2011 قد أنتج المطلوب منه أو لم يُنْتِج، ففي كل الأحوال، يظل التغيير أمراً مطلوباً، إلا أن مراجعة النتائج والآفاق التي أوصلتنا إليها الانفجارات المذكورة، تدعونا إلى التساؤل عن أولويات التغيير كما نتصوَّرها، في ضوء ما .يجري اليوم أمامنا
يستوعب سؤال التغيير في تصوُّرنا سؤال الإصلاح السياسي في شموليته، بحكم أنه يُعَدُّ من المداخل المناسبة للاقتراب من دوائر المشروع الديمقراطي. وقد تبلورت الملامح الكبرى لهذا السؤال في الأدبيات السياسية العربية، لحظة تركيب النهضويين العرب صورة دولة ما بعد الحماية، حيث تَمَّ بناء العلامات الأولى والشعارات الكبرى لنقد ازدواجية دولتنا التي ما تزال تخلط بين التقليد السلطاني المتوارث وبعض مظاهر الدولة الحديثة.
سؤال التغيير الذي نطرحه اليوم مُجدَّداً، ونحن نفكر في مآلنا السياسي، بعد الانفجارات التي 
“معركة الإصلاح السياسي لم تتجه بعد إلى مساءلة ما جرى ويجري في مجتمعاتنا”

احتفينا بها، وبالآمال التي أنعشت حياتنا، لعلنا نتمكّن من رصد درجات تَمَثُّل مجتمعاتنا للتحديث السياسي وحدوده، بمبادئه ومقدماته الكبرى، في النظر إلى الإنسان والمجتمع والتاريخ. ونتصوَّر، في ضوء ما سبق، أن ما يحصل اليوم في مجتمعنا وثقافتنا السياسية، سواء في فضاء الخطابات والصوَّر، داخل العوالم الافتراضية، أو في مستوى الأحداث والوقائع، يندرج في سياق مجموعة من المخاضات المرتبطة بمسارنا التاريخي العام، حيث نواجه مجموعة من تحدِّيات كنا نتجنَّبها، خوفاً من مواقف وأحداث قريبة مما يقع اليوم بيننا. ولا شك في أن محصلة ما جرى في السنوات الأخيرة في المشرق والمغرب العربيين سيراكم خبرات سياسية وتاريخية ستؤكد استمرار حاجتنا الماسة إلى التغيير الثقافي اللاَّزم، من أجل أن يشكِّل الروافع الداعمة لتطلعاتنا السياسية.
لا ينبغي إغفال التأكيد هنا أننا لا نتصور سهولة المعركة التي تنتظرنا، فالتغيير الذي نتطلَّع إليه ليس أمراً سهلاً، وطريقنا نحوه مفتوحٌ على مشروع منازلاتٍ جديدة في مجالات عديدة، بهدف تعويد الذات على مواجهة أسئلة التاريخ والإصلاح، تعويدها على المواجهة بالتضحيات، التي تنذر الغالي والنفيس للانتصار على أعباء التاريخ. وما سيصنع لحظة حصول التغيير الذي نتطلع إليه، سَيُعَدُّ، في البداية والنهاية، بمثابة محصلة لتراكم تاريخي، قد لا نكون اليوم على بيّنةٍ تامة من مختلف أبعاده وأفعاله.
وعندما نفكر اليوم في معضلات التغيير السياسي المستجدة في مجتمعنا، لا نتردد في القول إن معركة الإصلاح السياسي، التي نعيش منذ سنوات جوانب من أطوارها الجديدة، لم تتجه بعد إلى مساءلة ما جرى ويجري في مجتمعاتنا، في ضوء متطلبات ثقافة التغيير وأسئلته وآفاقه. لم تستطع الثقافة السياسية التي نشأت على هامش معاركنا الأخيرة أن تبلور، في نظرنا، مشروعاً في الدفاع التاريخي عن الحداثة السياسية. وقد ترتَّب عن ذلك ما يُلاحظ من هشاشة ثقافة الإصلاح والتغيير، المواكبة لتجاربنا في التحوُّل الديمقراطي. نؤكد هذا الأمر، انطلاقاً من 

“تؤكد حزمة الإخفاقات المتزامنة والمتتابعة الحاجة إلى تعُّقل بنية هذا الإخفاق”

وعينا بأن التجارب السياسية الكبرى الفاعلة في التاريخ تحصّن تجاربها وخياراتها بتأسيسها الوعي السياسي القادر على حماية مساحة القضايا والأسئلة المرتبطة بها وتطويرها..
يمكن الانطلاق، إذن، في مواجهة موضوع عوائق التغيير وصعوباته، من خلال أبواب كبرى، بشأن أسئلة الحداثة والتحديث في تاريخنا المعاصر، حيث يمكن أن تشكل مفردات الجيل الثالث من منظومات التفكير في الإصلاح والتقدم في ثقافتنا السياسية، وهي مفرداتٌ يطغى عليها الجانب القانوني الحقوقي، القاعدة والمنطلق لمعالجة أسئلة التحديث في مجتمعنا، من قَبِيل إصلاح الذهنيات، إصلاح منظومة التربية والتعليم، تبيئة أجيال حقوق الإنسان، الانخراط في مجتمع المعرفة، مأسسة المجتمع، توسيع دوائر العقلانية والتاريخ، محاصرة الفساد، تعزيز أساليب الشفافية والمراقبة إلخ..
يحق أن نتساءل عن أسباب إخفاق مشاريع الإصلاح والتغيير، في أبعادها المختلفة، إخفاق الإصلاح السياسي، إخفاق الإصلاح الديني، إخفاق الإصلاح الثقافي والتربوي. تؤكد حزمة الإخفاقات المتزامنة والمتتابعة الحاجة إلى تعُّقل بنية هذا الإخفاق، وبناء التصورات القادرة على تجاوزه، وذلك بمزيد من العمل على تبيئة قيم الحداثة والتحديث في مجتمعاتنا.