هناك بديل، أن تنتصر الثورة، وأن تفرض بديلها الذي يحقق مطالب الشعب. وهذا يعني “إسقاط النظام” السياسي الاقتصادي، وإعادة بناء الدولة بما يتماشى مع مصالح الشعب، وتغيير عقيدة أجهزتها من كونها أداة قمع للشعب، إلى كونها تحمي الشعب.

لم يطرح أحد بديلاً عن الواقع القائم الذي أفضى إلى الثورة، نتيجة الفقر والبطالة والتهميش. ولا شك في أن انهيار الاشتراكية أدى إلى التخلي عن البديل الذي كان يُطرح خلال القرن العشرين، ليس فقط بالمعنى الطبقي السياسي، بل حتى بالمعنى الاقتصادي. لهذا لا أحد في اليسار (سوى قلة) من يفكّر في أن يطرح بديلاً للرأسمالية. وما يُطرح لا يعدو أن يكون “إصلاحاتٍ” في بنية الرأسمالية هذه، أو تمنياتٍ بأن تعمل الرأسمالية على مراعاة أوضاع الطبقات المفقرة.
وهنا يتوسّع الوهم بأنه يمكن أن تظهر رأسماليةٌ يمكن أن تكون “إنسانيةً“، وتراعي وضع العمال والمفقرين عموماً. لهذا لم تنبه الثورات إلى أن الأمر بات أبعد من أن يتحقق عبر الإصلاح، وأنه ليس لدى الرأسمالية مقدرة على “تقديم تنازلات” تحسّن من وضع المفقرين. على العكس، هي تسعى إلى زيادة النهب بطرق كثيرة تمارسها كلّ يوم. من زيادة مهولة في الضرائب، إلى زيادة مهولة أكثر في الأسعار، وتدفيع الشعب حتى على الخدمات التي كانت تعتبر “مجانيةً” أصلاً، أو التي تُجنى الضرائب من أجل أن تكون مجانية.
عملية نهب للمجتمع هي التي تمارسها الطبقة المسيطرة، بالتشارك مع الرأسمال العالمي، والمديونية جزء من عملية النهب هذه، لأن الديون تُسرق، والشعب هو الذي يُفرض عليه تسديد فوائدها وأقساطها. لهذا لا بد أولاً من محاسبة هذه الطبقة بإقصائها عن السلطة (حيث السلطة هي سلطتها في كل الأحوال)، وبمصادرة أموالها التي تراكمت من خلال عملية النهب التي مارستها. هذا لا يعني تغيير أفراد في السلطة، بل تغيير كلية السلطة لمصلحة الشعب المفقر. وتغيير طبيعة الاقتصاد من اقتصادٍ ريعيٍّ قائمٍ على الخدمات والنشاط العقاري والسياحة والبنوك والاستيراد، إلى اقتصاد منتج، بتطوير الصناعة والزراعة تحت سلطة الشعب. وكذلك إلغاء الديون من طرفٍ واحد، والمطالبة باسترداد الفوائد التي تحصلت عليها الطغم المالية التي يعبّر عنها أحسن تعبير صندوق النقد الدولي.
ما يحقق مطالب الشعب الذي صنع الثورة، ولا يزال يحتج من أجل أن يحققها، هو الجمهورية الديمقراطية التي تعبّر عن الطبقات الشعبية المفقرة، والتي بدورها تعمل على بناء الصناعة من أجل الإنتاج، لكي نتخلى عن الاستيراد الذي يفرض هروب مليارات الدولارات سنوياً، ويوجد فرص عمل للعاطلين، وهم نسبة كبيرة الآن، وللذين يدخلون سوق العمل سنوياً. وكذلك تطوير الزراعة، لكي نأكل من أرضنا، بدل أن نستورد حتى كل ما نأكل. ولا شك في أن دور الدولة الاقتصادي هذا (جرى التشنيع عليه في السنوات السابقة، خصوصاً بعد انهيار الاشتراكية) محوري، ما دامت الرأسمالية ليست معنيةً لا بالصناعة ولا بالزراعة، ولأن وجود هذين القطاعين محوري، من أجل حل مشكلات مجتمعية عويصة، ولتحقيق التطور المجتمعي.
الوضع الثوري الذي بدأ بثورات كبيرة هو أفضل وضع يسمح بأن يفتح الطريق إلى تحقيق التغيير الذي يحقق ذلك كله. وهذا التغيير وحده الذي يحقق مطالب الشعب الذي صنع الثورة، ولا يزال مصمماً على الاستمرار، ما دامت مطالبه لم تتحقق. لهذا يجب أن يصاغ البديل على “جثة” النمط الاقتصادي القائم، والرأسمالية المسيطرة التي فرضت نمطاً اقتصادياً، أساسه النهب وليس الإنتاج، ويفضي إلى تهميش الكتلة الأكبر من الشعب، ويدفعها الى الإملاق حدّ الموت جوعاً.
هناك بديل، أن تنتصر الثورة، وأن تفرض بديلها الذي يحقق مطالب الشعب. وهذا يعني “إسقاط النظام” السياسي الاقتصادي، وإعادة بناء الدولة بما يتماشى مع مصالح الشعب، وتغيير عقيدة أجهزتها من كونها أداة قمع للشعب، ودفاع عن رأسمالية نهّابة إلى كونها تحمي الشعب في ظل جمهورية ديمقراطية.