تعيد الاحتجاجات الإيرانية اليوم طرح سؤال: العرب وإيران.. إلى أين؟ يضيء المفكر برهان غليون على هذه العلاقة منذ انتصار الثورة الإيرانية التي احتفى بها الجميع قبل أن يصدموا بتحولاتها وسياستها التي ساهمت في تدمير إيران وجوارها أيضاً.

كان من الممكن لإيران أن تكون أهم دولة في الإقليم المشرقي، وأكثرها حظاً في تزعم المنطقة. وكانت مؤهلةً، بما تملكه من تاريخ وحضارة وموارد طبيعية وقدرات بشرية، لأن تلعب دورا رائدا في عملية تحديث دول المشرق وتنميتها، لو أنها اختارت طريقا آخر غير الذي هدرت فيه بلدان المشرق الكبرى مواردها، منذ تجربة محمد علي في مصر، في القرن التاسع عشر، إلى صدام حسين في أواخر القرن العشرين، وتكبّدت جميعها بسببها هزائم قاسية، لم تتحرّر من أعبائها النفسية والمادية عقودا طويلة تالية، وأقصد بها سياسة القوة، والسعي المحموم إلى السيطرة الإقليمية، بصرف النظر عن تكاليفها. وما فاقم من مخاطر هذه السياسة وعواقبها في إيران ما أضافته إليها الخامنئية، من عناصر تفجيرية، مثل تسييس الخلافات المذهبية والدينية، والجري وراء وهم استعادة عظمة الإمبرطورية التاريخية التي أطاحتها الفتوح العربية الإسلامية، وروح الانتقام التاريخي لها، أو لأهل البيت، وتعميم نظام ولاية الفقيه التيوقراطي المناقض لثقافة العصر، والحلم بإقامة ما يشبه البابوية الإسلامية في زمن تحول التسامح والتعايش الديني فيه إلى الدين الوحيد القادر على البقاء، ومقاومة الفوضى والنزاعات في عالمٍ أصبح في العولمة قرية واحدة مفتوحة.

(1)
لا أعتقد أن مثل هذا التوجه كان حتمياً ومكتوبا في أي لوح. ففي بداية ثورتها “الإسلامية”، استقطبت إيران تعاطفا واسعا في كل البلاد العربية. ولم تبق حركة سياسية، أو مثقف، لم يحي هذه الثورة، باعتبارها ثورة تحرير الشعب الإيراني من الديكتاتورية الشاهنشاهية، ونقلا لوزن إيران من كفة التحالف الغربي الإسرائيلي إلى كفة المقاومة العربية والفلسطينية. وفتحت الشعوب العربية أبوابها وقلوبها لإيران الجديدة التحرّرية، حتى لم تبق حركة سياسية لم تطرق أبواب طهران، وتعقد تفاهمات معها، إسلامية كانت أم علمانية. لقد حققت إيران الثورية، في نهاية القرن الماضي، نفوذا وإشعاعا سياسيا لم يحصل لأي نظام آخر في المنطقة، باستثناء مصر الناصرية في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي.
لكن الحصار الذي فرضه الغرب على إيران الجديدة، وتراجع آمال التقدم والتنمية الاجتماعية 

“حققت إيران الثورية، في نهاية القرن الماضي، نفوذاً وإشعاعا سياسيا لم يحصل لأي نظام آخر في المنطقة، باستثناء مصر الناصرية”

والاقتصادية، وتنامي روح التحدّي والصراع التي غذتها استفزازات الغرب، وحصار الولايات المتحدةـ وعداءها أي نزعة استقلالية في المنطقة، دفع شيئا فشيئا نظام طهران الجديد إلى تبني خيارات تدخلية وتوسعية، قائمة على حشد القوى، وتنظيم الأنصار، واستتباع الجماعات الضعيفة، في البلاد العربية، لاستعراض قوتها وتهديد المصالح الأميركية والإسرائيلية. وكان من الطبيعي أن يترافق هذا الصراع العنيد مع صعود القوى الإيرانية الدينية والقومية المتطرّفة في هرم السلطة، وأن تؤجّج سياسات النظام الإيراني التدخلية، باسم الإسلام أو مقاومة النفوذ الغربي والغطرسة الإسرائيلية، مخاوف الدول العربية والخليجية التي تفتقر لمقومات القوة. وجاءت شعارات تصدير الثورة، والعمل على تعميم تجربة حزب الله في دول عربية عديدة، لتجعل من إيران مصدر الخطر الأول على الأمن الداخلي للنظم التي تعاني من الهرم والتقادم، وليس لديها الحد الأدنى من المرونة السياسية، أو من هامش المناورة لاحتواء الضغوط الفكرية والسياسية والمذهبية الإيرانية واستيعابها، وهي التي بنت استقرارها على تهميش المجتمعات وعزلها، أقليات وأكثريات، لا فرق.
في محاولةٍ استباقية لوقف مخاطر انتقال العدوى، أو تصدير الثورة، بدأ الخليج سلسلة الحروب العربية الإيرانية، بهجوم عراقي مدعوم من الغرب، ومن بلدان الخليج العربية. وكان الهدف الواضح من هذه الحرب دفع إيران إلى الانكفاء على نفسها، ووضع حد لسياسة تصدير الثورة، وإجهاض محاولات إيران لتعبئة السكان الشيعة المتعاطفين معها، والذين يشكلون أغلبية سكان العراق. لكن الرد الإيراني على هذه الحرب لم يتأخر كثيرا. وجاء متعلقا بأذيال التدخل الأميركي واسع النطاق في العراق، في بداية القرن الحالي، وقضائه على نظام صدام حسين، وتسليم السلطة للمليشيات الشيعية التي عاشت وتلقت تدريباتها وتوجيهاتها العقائدية والسياسية في إيران، وكانت حصان طروادتها لقلب الطاولة على الأميركيين، وتكريس سيطرتها شبه المطلقة على بلاد الرافدين.
وجاءت ثورات الربيع العربي، في بداية العقد الثاني من القرن الحالي، لتفتح شهية طهران 

“يعتقد قادة إيران أنها الأحق، لما تملكه من موارد بشرية وعلمية وتقنية وثروات باطنية، بالتحكم بسياسة الشرق العربي”

لتحقيق مزيد من المكاسب الجيوسياسية، بداية في البحرين ثم في تونس ومصر وليبيا واليمن. لكن قوى الثورة المضادة العربية سبقتها إلى إجهاض هذه الثورات، ومنعها من ركوبها لمد نفوذها بشكل أكبر في الإقليم. أما الحرب الثانية الكبيرة التي راهنت عليها طهران لاستكمال انتصارها في العراق، ومد نفوذها إلى المشرق، فقد كانت مشاركة إيران الحاسمة في الحرب، لسحق الثورة الشعبية في سورية، حيث لعبت الدور نفسه التي لعبته قوى الثورة المضادة في البلدان الأخرى، وفي البحرين بشكل خاص، لمنع حصول تغيير في النظام الذي كان على وشك السقوط في دمشق. ومنذ سبع سنوات، تخوض إيران حربا دموية ضد قوى الثورة السورية وبالوكالة ضد بلدان الخليج، ولا تخفي أطماعها في السيطرة على سورية، وضمها إلى دائرة نفوذها وسيطرتها الإقليمية، مستغلة انهيار النظام وتفككه. وفي ما وراء ذلك، توسيع ساحة الحرب في المشرق، والسعي إلى تطويق شبه الجزيرة العربية ودولها الهشة، بإقامة ما تسميه الهلال الشيعي، أو محور المقاومة الذي يضم حتى الآن، إلى جانب طهران، بغداد ودمشق وبيروت، ويشكل مع اليمن والبحرين طوقا يحيط ببلدان الخليج، ويعزّز قوة الاختراق الإيراني للأمن العربي في المشرق.

(2)
يعتقد قادة إيران أن طهران هي الأحق، بسبب ما تملكه من موارد بشرية وعلمية وتقنية وثروات باطنية، بالتحكم بسياسة الشرق العربي، والأقدر على ربح معركة السيطرة عليه، في مواجهة الدول الغربية التي تتحكم، منذ عقود طويلة، بسياساته، وتهيمن على المنطقة. وترى في الحرب التي تشنها لتقويض دول المنقطة، وزعزعة بنيانها، كما هو حاصل في عديد منها اليوم، حربا على الولايات المتحدة والغرب، حتى لو كان ضحاياها الشعوب العربية التي لا ترى فيها سوى بيادق أو محميات غربية. هكذا تحول صراع طهران المشروع والعادل ضد حصار الغرب لها إلى حربٍ إيرانية عربية شاملة، تستخدم فيها جميع الأسلحة المحرمة وغير المحرمة، الدينية والسياسية والإعلامية والعسكرية. ومع ما راكمته البلدان العربية ونخبها من تخلفٍ عن ركب التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، تأتي الضغوط الإيرانية العسكرية والمذهبية، لتزرع الموت والفوضى، وتقضي على آخر ما تبقى من تماسكٍ في جسد مجتمعاتٍ دمرها ثلاثي الفقر والفساد والاستبداد.
كما يعتقد قادة طهران أن الحرب التي يخوضونها في البلاد العربية حربٌ مشروعة. وهي 

“لا تعمل طهران على تقويض شرعية مشروعها التوسعي فحسب، لكنها تحفر قبرها بيديها”

حربٌ دفاعية تهدف إلى منع الغرب من تحقيق أهدافه في إيران وفي المنطقة على حد سواء. وفي هذا الخطاب كثير من الصحة، إذ على الرغم من سياسة الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، التي كانت ممالئة للنظام الايراني، لأسبابٍ متعددة، أهمها الملف النووي، لكن أيضا الخوف من كلفة الصدام معها في المنطقة والعالم، ليس هناك أي شك في أن الغرب لا يضمر أي عاطفةٍ إيجابية تجاه النظام الإيراني. لكن خطأ إيران أنها تتعامل مع الدول والشعوب العربية المجاورة كما لو كانت امتدادا للغرب، بل أذنابا له، لا فرق بين نظم وشعوب ومجتمعات. ولا ترى ما تحدثه سياستها من تدمير لشروط حياتها ودولها ومجتمعاتها اعتداء عليها، وإنما وسيلة لزجّها في الحرب التاريخية ضد الغرب، الذي لا تريد طهران، في النهاية، سوى انتزاع اعترافه بها قوة إقليمية. والمحصلة، تخوض إيران حربها ضد الغرب، لكن على الأرض العربية، وعلى حساب العرب، وبأياد عربية، فتحول الحرب من حرب إيرانية أميركية إلى حرب أهلية طائفية عربية، تهدّد بالقضاء على الدولة، ونشر الخراب والفوضى في المشرق بأكمله. وبدل أن تعيد توحيد شعوب المنطقة من حولها، لتزيد قوتها في مواجهة الغرب، تقدم للغرب وإسرائيل أعظم هديةٍ مجانية، وتوفر عليها أكثر من حرب للقضاء على الدول العربية المحيطة بها، وهي تدفع، منذ الآن، النظم التي تخشى سقوطها إلى إعادة تعريف استراتيجيتها الأمنية، والتقرب شبه العلني من إسرائيل. بهذه السياسة، لا تعمل طهران على تقويض شرعية مشروعها التوسعي نفسه، لكنها تحفر قبرها بيديها، فالمشرق العربي هو حاضنتها الإقليمية الطبيعية، ومجال استثماراتها وتوسعها ونفوذها، وبالتالي استقرارها وازدهارها. وبمقدار ما تدمره، وتجعله بيئة غير صالحة للحياة، كما هو حاصل اليوم، تحرم نفسها من إمكانية تحويله إلى حليف لها، وتضع نفسها على فوهة بركان من الأحقاد المتراكمة والكراهية والانتقام. وبمعنى آخر، في تقويضها حياة المشرق، واستقراره وازدهاره، تحكم طهران على نفسها بخسارة أكبر رهاناتها، وهو كسب شعوب المشرق إلى جانبها.
لن يربح أحد هذه الحرب. ولا تستطيع إيران أن تبسط سيطرتها على المشرق، مهما عبأت من قوى، وحشدت من مليشيات لبنانية وعراقية ويمنية وأفغانية وباكستانية وغيرها. ولم يساعدها الرمي بكل ثقلها لإنقاذ نظام حرق شعبه وبلده بالأسلحة الكيميائية والفوسفورية، وبالبراميل المتفجرة والصواريخ الباليستية، ومشاركتها في قتل مئات ألوف السوريين وتشريدهم، في تعزيز موقعها داخل البلاد العربية، أو حتى في الخارج. وكل ما قادها إليه مشروعها القائم على الرهان على القوة، وخوض الحرب الخاطئة ضد الشعوب العربية لكسب المعركة السياسية ضد الغرب، واستثمار موارد إيران كلها في شراء الأسلحة وتصديرها إلى مليشياتها الموزعة على أكثر من خمس دول عربية، والتوسع على حساب الآخرين، وتفكيك دولهم وتخريبها، هو خسارتها ذاتها ومستقبلها، أي لتأييد الشعب الإيراني الذي وجد نفسه الخاسر الأول في السباق على هيمنةٍ إقليميةٍ، لا قيمة لها لإيران، وليست قادرةً على المحافظة عليها في وجه القوى الكبرى والروس والأميركيين فيها. والسبب تناقض قاتل في جوهر الاستراتيجية الإيرانية، فبعكس ما يفكر القادة الإيرانيون، لن يهرع الغرب، وإسرائيل على رأسه، للتفاوض مع طهران، لإنقاذ المشرق الرهينة من الخراب والتهديد، لكنه سوف يعمل كل ما في وسعه لتشجيعها على قتل الرهينة والقضاء عليها. فهو يحقق بذلك، من دون أن يقوم بأي جهد، عدة أهداف بوقت واحد: تدمير الدول العربية وفرط عقدها، ودفع المنطقة إلى حربٍ إقليمية، تحيدها وتقضي على أي أمل لها بالنهوض، والتحول إلى قوة مؤثرة عقودا طويلة مقبلة.
لا ينبغي أن نخلط سياسة حكومة طهران التوسعية والمهووسة بمظاهر القوة، وتحقيق التقدم والنفوذ خارج حدودها، وتهديد ما تعتقد أنه مصالح غربية أساسية في المشرق وبلدان الخليج، بأي ثمن، مع الشعب الإيراني ومصالحه، ومع الثقافة والحضارة الإيرانيتين الراقيتين. بالعكس، هذه السياسة هي المسؤول الأول عن التفريط بمصالح شعب إيران وموارده وموقعه الإقليمي في المشرق، وفي حضارته متعددة الموارد والأقطاب، وكذلك عن تهديد إيران بحرب داخلية، ستعيدها عقودا عديدة إلى الوراء، بعد خسارة العقود الأربعة الماضية.
لو استثمرت إيران في شعبها، بدل أن تضع رهانها كله على تطوير صناعة الأسلحة النووية 

“لا تستطيع إيران أن تبسط سيطرتها على المشرق، مهما عبأت من قوى”

وغير النووية، وحشد المليشيات لزعزعة استقرار الدول المحيطة بها، اعتقادا بأن في وسعها أن تفرض نفسها لاعبا أول في الإقليم، وتصبح ندا لأميركا وروسيا، والمحاور الرئيس لهما عن الشرق الأوسط، لكانت اليوم أهم قوة صناعية وعلمية وبشرية في المنطقة، وتحولت إلى قلعةٍ للاستقرار، وجمعت من حولها أكثر دول المنطقة الغارقة جميعا في أزماتها المستعصية، وحققت بثمن أقل، بل بمكاسب إضافية لا تقدر، رهانها لتكون القوة الأولى، ولساعدت الشعوب المجاورة على عبور مرحلة الانتقال الصعبة نحو الاستقرار السياسي وحكم القانون، بدل إجبارهم على العيش المقيت تحت رحمة زعماء المليشيات وأمرائها. إيران خامنئي هي الآن في طريقها إلى أن تخسر كليا الرهان الذي صرفت جهدها ومواردها من أجله، بعد أن خربت المنطقة التي كان من المفروض أن تشكل حاضنتها الطبيعية، ومجال توسعها الاقتصادي واستثماراتها الرابحة. كانت الحريق الذي قضى على اقتصادها، وأضنى شعبها والشعوب المحيطة بها، وقوّض مستقبل المنطقة بأكملها. والآن، نجد جميعا في المشرق معلقين في الفراغ، ننتظر حكم الدول الكبرى التي لم تول أي أهميةٍ لوقف نزاعاتنا ولا تعبأ بخرابنا.

(3)
في مواجهة ثقافة التخويف التي اتبعها بعض القوميين العرب، والتي كانت تصور كلا من تركيا وإيران أعداء حتميين للعرب، كتبت أكثر من بحث ومقالة، في السنين الثلاثين الماضية، لأعبر عن أملي بأن يخرج المشرق، والعالم العربي معه، من هوسه القومي والديني غير المنتج وغير المجدي، والانكباب على التفكير في تطوير تعاون إقليمي فعال، من أجل الإسراع بوتائر التنمية واستدراك ما فات مجتمعاتنا من عوامل (وأطوار) التقدم والبناء الحضاري، المدني والاقتصادي والسياسي والعلمي والتقني. وكتبت أننا إذا لم نتقدّم نحو تشكيل منظمة للأمن والتعاون والتنمية الاقتصادية، قائمة على اتفاقات واضحة والتزامات جماعية من كل الأطراف، لن يضمر لنا المستقبل سوى مزيد من النزاع والحرب والخراب، فدولنا حديثة النشأة، التي تعيش تحت ضغوط داخلية وخارجية هائلة، اقتصادية وعسكرية وثقافية ونفسية معا، لن تجد سبيلا لتأكيد سيادتها المنقوصة، وتجاوز تناقضاتها الداخلية، وعجز حكوماتها الحتمي عن الوفاء بالتزاماتها تجاه شعوبها، في ظروف توزيع الموارد القائمة، سوى بالهرب إلى الأمام، وتفجير حروب ونزاعات مع جيرانها، بأي ذريعة، للتغطية على فشلها المحتم وشرعنة استمرارها، وأننا سوف نكرّر، إذا لم ننجح في هذا المشروع، بالضرورة، تاريخ الدول الأوروبية التي مرت بعشرات الحروب الوحشية والقاتلة، ومثالها الحربان العالميتان في القرن العشرين، قبل أن نكتشف، بتكاليف هائلة، أهمية العمل على بناء أطر التعاون الإقليمي، وتنظيم العلاقات بين الدول، بالطريقة الوحيدة التي تساعد على معالجة مسألة السيادة، أي بالتفاوض على التنازل عن جزء منها لصالح سلطة إقليمية أعلى، تعمل لفائدة الجميع، بدل تأكيده في كل مرة بحربٍ جديدة.
يتشابه وضع إيران الخامنئية في المشرق مع وضع ألمانيا تحت السلطة النازية في أوروبا.

“يتشابه وضع إيران الخامنئية في المشرق مع وضع ألمانيا تحت السلطة النازية في أوروبا”

 فكما أنجبت الهزيمة الألمانية في الحرب العالمية الأولى والمعاملة المهينة التي تعرّضت لها على يد الدول المنتصرة الوحش النازي الذي أرعب أوروبا قبل أن يقودها إلى الحرب العالمية الثانية، الأكثر فتكا وتدميرا، ولد الحصار الذي فرضه الغرب على الشعب الإيراني، بسبب ثورته على الحكم الملكي الحليف للغرب، والمعاملة المهينة لها، وسد جميع السبل أمام تحقيقها ذاتها وتنمية قدراتها، وحش الخامنئية التي هي مزيج من العدوانية الارتداداية وجنون العظمة والطائفية المقيتة، التي احتلت روح الثورة الشعبية من الداخل، وقضت عليها وساقتها في مسالك رهيبة. وتكاد طهران تعيد المسار نفسه الذي قاد ألمانيا إلى هدر جهود شعبها، والتضحية بخيرة شبابه في الجري وراء حلم السيطرة العسكرية على قارة بأكملها، وفرض إرادتها عليها، انتقاما لنفسها من استهانة أوروبا بها، واستردادا لكرامتها، وردا على الهزيمة المهينة التي كبدتها لها الدول الأوروبية. وقد نجحت بالفعل في تدمير أوروبا وتركيعها أكثر من عقدين، لكنها دمرت، في النهاية، نفسها، وسارت نحو انتحارها.
ليس هناك حل للصراعات المتفاقمة، والانسدادات التي تعيشها شعوب المنطقة على كل الأصعدة، إلا في الارتفاع فوق الرؤية الوطنية الضيقة، واكتشاف طريق التعاون والأمن الجماعيين. وإذا لم ننجح في ذلك، سوف تتحول الدولة الحديثة التي لم يعد لها من الوطنية إلا الاسم، إلى أكبر فخ منصوب لشعوبها، بمقدار ما سوف تدفع بها إلى الحروب المتكرّرة، والقطيعة، حتى مع أقرب جيرانها. وهذا ما نعيشه منذ نصف قرن.
هذا هو الحل الوحيد لمعالجة نزوع إيران الراهن إلى السيطرة وتجاوز حدودها وعدوانيتها الفائضة وتهديدها جيرانها، تماما كما كانت الوحدة الأوروبية، الفكرة العبقرية التي نجح من خلالها الأوروبيون في احتواء ألمانيا وعدوانيتها ونزوعاتها التوسعية، وفي تحويلها، أكثر من ذلك، إلى رافعةٍ قويةٍ وسندٍ لتقدم أوروبا وازدهارها. لكن شرط ذلك كان أيضا سقوط النازية، ونضج القادة الأوروبيين الذين عرفوا كيف يميزون بين ألمانيا الشعب والحضارة والنظام الفاشي الطارئ عليها. فما ضمن نجاح الوحدة الأوروبية أنها لم تحصل في مواجهة ألمانيا، ولا بهدف الانتقام منها، حتى لو أنها جاءت لاحتواء عدوانيتها، وإنما لإعطائها الفرصة لإظهار قدراتها وتفوقها في مجالٍ مفيد للجميع، وإشراكها في مشروع بناء أوروبا، وإرساء أسس السلام والأمن الدائمين فيها. هذا ما يحتاجه الشرق النازف والمنذور لدمار عميم.
لكن، لا يمكن الشروع في مثل هذا الحل وإنجاحه من دون احترام الدول حدود بعضها بعضا وسيادتها، والتخلي عن سياسة الفتح والغزو والإكراه، واعتماد لغة المفاوضات الجماعية والاتفاقيات القانونية الموقعة والالتزمات المختارة. البديل عن ذلك هو تعميم علاقات النزاع والحرب، وخسارة أهم الشروط لتقدّم الأمم والشعوب والمجتمعات وازدهارها، وهو إرساء أسس السلام والاستقرار الدائمين.
كان من حظ أوروبا أنها حظيت، بعد خروجها من الحرب الثانية، برجال مخلصين لشعوبهم، وأصحاب رأي ورؤية ثاقبة، عرفوا كيف ينتزعون قارتهم من منطق حروب الثأر والانتقام المدمرة بعد إسقاط النازية. لكن، للأسف الشديد، ربما لن يجد المشرق المدمر، في أعقاب سقوط امبرطورية الولي الفقيه الحتمي، ما يكفي من القادة المتبصّرين، القادرين على التفكير في المستقبل، وتحويل هزيمة الخامنئية إلى مناسبةٍ لتحقيق مصالحة إيران الحقيقية مع محيطها، وفتح صفحةٍ جديدةٍ في تاريخ المنطقة، قائمة على التعاون والعمل المشترك، لفائدة عموم شعوب المشرق. كما أنني لست على ثقة من أن الولايات المتحدة التي لم تتخلّ عن سيطرتها على المنطقة سوف تكون حريصة، كما كانت مع أوروبا، على بسط الأمن والسلام والاستقرار في المشرق، والحماس لإعادة إعماره ومساعدة شعوبه، وتشجيعها على عقد الصلح وتحقيق السلام. لكن لا ينبغي لذلك أن يحبطنا. ليس لنا بديل عن هذا الخيار.