رُبما يجد المصحح اللغوي أن بين الخيال والخبال مجرد نقطة تضاف للنقطة الأخرى التي تقبع تحت حرف الباء، ولكن إذا قرأنا السطور التي تأتي إلى عالمنا في الأعوام الأخيرة، لوجدنا أن بين الخيال والخبال نقاط عديدة، منها غياب النقد، انتشار ظاهرة مجاملة الكاتب بقلم الناقد، وجنون الكاتب بذاته.

وما ينتج عن خبال كُتاب هذا الزمان صراحةً هو غيابنا من القارة الأفريقية ونصيبها الواسع في ما نسميه (الأدب العالمي)، الأدب هو ميزان إبداع الكاتب، الأبحاث العلمية والدراسات سرعان ما تترجم لأنها مراجعة بدقة شديدة، وكثيرا ما تنال الكثير من الشهادات الدولية التي تضع لها أهمية ترجمتها إلى لغات عديدة، ولكن الآداب لها ميزان آخر، إذ كان الأدب رفيعا قيما ذا معنى، يمتلك النص من بدايته حتى نهايته قدرة علي مقاومة الزمان، وأن يصبح خالدا مع الأجيال، يفرض نفسه فرصة العبور من لغة إلى أخرى.

ويسهل على القارئ المبتدئ، حتى القارئ المحترف في الآداب العامة من شعر، رواية، قصة ومسرح، أن يدرك أنه منذ نجيب محفوظ لم نكسر حاجز العبور إلى العالم الآخر إلا مرات قليلة، بينما عبرت جنوب أفريقيا بنادين جرديمير وج.ك كويتسي، أتشيبي وسوينيكا في نيجيريا، وغيرهم من البلدان عبر تانيا توم، باتون، بيكو وكاماندا.

من السهل أن نجد في الأدب العالمي أن الشعوب التي تعرضت للاضطهاد والكوارث أنتجت أعمالا إنسانية خالدة وقوية، بينما نحن رغم المآسي التي نعيشها لا نقدم سوى قش محترق، لا نفع منه ولا ينال القريب منه سوى الأذى وفساد البدن.

ليس من الصعب على الإنسان العادي أن يصبح كاتبا في أي لحظة، إذ إن الأمور الأدبية في هذا الزمان لا تحتاج سوى الخيال أكثر من أي شيء آخر، وأعتقد أن أكبر مثال على سهولة الأمر في الاتجاه اللغوي قد يقدمه لنا هاروكي موراكامي؛ إذ إنه كتب مقال (الروائي العداء) الذي تحدث فيه كيف تغيرت حياته من صاحب كازينو إلى روائي بسبب أنه قرر أن يمارس رياضة الركض.

في وجود محرر أدبي يتقن أساليب الكتابة وطرق السرد ويدقق في تفاصيل الرواية في مسودته، ووجود مصحح لغوي يعيد صياغة الحروف لموضعها السليم، أصبح على الكاتب في هذا الزمان فقط أن يتخيل أمرا ذا قيمة وذا رسالة، وأن يكون له من الخيال شيء من الإبداع.

طوال ست سنوات تقريبا لم أقرأ في حياتي عملا أستطيع أن أقر أنه يستحق أن يترجم إلى لغة أخرى، وفي بعض الأحيان أحتاج أن أقدم طلبا من محكمة أو من دار إفتاء لدولة ما إلى دار النشر لتقوم بترجمة النص إلى اللغة العربية، استطعت في الحقيقة قراءة ديستويفسكي وماركيز وكونديرا، استطعت فهم الثابت والمتحول في سن صغيرة، لكني لم أفهم الكثير من روايات الحب الحلال وكتب السحر المشئوم التي أتت إلينا مؤخرا، وكتابات (الديب ويب).

وربما هنا نعود مرة أخرى إلى مسألة المعرض الذي بات معرضًا للخيال والخبال بتساو غريب، يمكن للقارئ النهم الشغوف أن يجد مثلا أعمال تشيخوف مجمعة في طبعة مخفضة وأن يشكر سعده وحظه، ويجد كتابات روسية كثيرة من ليو تولستوي ومكسيم جوركي وغيرهما من الروس بأسعار قليلة، ولكن السييء أنه المعرض ليس معرضا للترجمات، بل للأعمال التي تُكتب باللغة العربية.

بانتشار محاولات بعض دور النشر في ترجمة الأدب الغربي وتقديمه للقارئ كنموذج للأدب العالمي الذي امتلأ بالإبداع والخيال، نقدم له الرواية الضعيفة والقميئة كنموذج عربي للخبال، وللأسف ليس من المهنية أن أقدم أسماء روايات ضعيفة قد نشرتها كُبرى دور النشر في مقارنة مع كتابات أعظم الكُتاب في التاريخ الإنساني لأثبت مقالي، ولكني لربما أذكر كل رواية من تلك الروايات في مقال نقدي كقراءة لتلك الأعمال.

والسؤال هنا، هل فكر النشر للحظة واحدة أنه عندما ينشر الملك لير لشيكسبير مع ديوان عامية ركيكة لا معنى له أنه تقريبا يوضح لنا ما نعانيه من جهل، هل لاحظ ولو لحظة وهو في المطبعة أنه يصف لنا الخواء الفكري الذي نعانيه، ألم يلاحظ أنه تقريبا مثل الأب الذي جلس على مائدة بها زوجة غير شرعية وزوجة شرعية، على يمينه أبناء الزنا، وعلى يساره أبناء الحلال؟!

حقيقةً لا أشجع إيقاف النشر للأعمال، ولستُ محافظا لأدعو الناس لقراءة فلان وترك فلان، ولستُ من المعتقدين بأن هناك مثالا على الجميع الاقتضاء به لكي أرضى عنهم ويكونوا راضين عما أفعله، ولكني أتساءل أحيانا: أين المعني مما أقرأ؟ المعنى هو الفارق الأهم بين الخيال والخبال.

وإذا عدنا مثلا إلى الآداب التي اعتمدت على الفوضى، من ألف ليلة وليلة التي بدأت من قصة دخلت في قصة إلى قصة إلى قصة، في حديث متصل لا ينتهي إلا حين انتهاء النص ذاته، أو أسطورة البير كامو المعروفة باسم (أسطورة سيزيف) كنموذج صريح لأدب الفوضى، لنجد أن ما أسميناه فوضى أدبية وعدم اجتماع حول موضوع ثابت له معنى أكثر مما نقرأه هذه الأيام.

يجب على الناقد العربي والمصري أن يقدم نقدا موضوعيا حول أن الحبكة والموضوعات التي يناقشها الأدب المصري والعربي مؤخرا صارت في الأغلب بلا معنى إنساني أو احترافية في العرض.

علي دور النشر في مجتمعنا أن تدرك أن القارئ – ولله الحمد من قبل ومن بعد – يتحدث العربية لحد ما بطلاقة، وأن القارئ – لله الحمد من قبل ومن بعد – ليس أعجميا ولا أعرابيا يحيا في شيوع الصحراء حائرا في دروب السراب، بل الحمد لله عز و جل رجل يقرأ في كثير من الأحيان الآداب المترجمة، وأصبح يقرأ الكتاب العربية لكي يسخر منه فقط.

نبحث حقيقةً عن صبري موسى آخر، وخيري شلبي آخر، عن رجل يستطيع أن يحاكي الواقع كما يحاكيه أنيس منصور، ورجل يملك القدرة على أن يأتي من ذات النقطة بآلاف الأمور، لم تكن الحارات المصرية في الجمالية والقاهرة القديمة معقدة لكي يخرج منها نجيب محفوظ بكل تلك الروائع، ولكنه استطاع أن يستخدمها ويطوعها للأمثال، وصف القوة بالنبوت، والكون بالحارة، والشعوب بالسكان، والدول بالعمارات والأزقة كانت وصفاً للمحافظات، نبحث عن فخر اللغة في دنيا الجنون.

شيء من البؤس أن تجد نفسك تكتب بلغة لا تقرأ شيئا منها، أصبح مؤخرا أحدث الكتب التي أحببتها وقد تم نشرها في ثمانينات العام الماضي تقريبا، حتى الكتابات الحديثة التي كنت أكتب عنها وأقدمها للقارئ كنموذج للإبداع – حتي لو أراها أعمالا تستحق الثناء والمدح – إلا أنها عاجزة عن مقاومة الزمان، أصبح الكاتب العربي لا يقرأ العربية نتيجة الخبال.

والداعم المستمر لاستمرار الخبال هو القارئ الذي ينبهر بالأمور الرنانة، القارئ الذي لا يطيق رومانسية يوسف السباعي فيذهب إلى جنسية فلان، ولا يحب الخيال العلمي لدى خالد توفيق فتجده يبحث عن تعاويذ فلان، ولا يحب أصالة لغة نزار قباني وبيانية محمود درويش وتعددية أساليب مريد البرغوثي فيذهب إلى عامية البلهاء من فلان وفلانة.

إذا كنت يا قارئ هذا الكلام من الباحثين عن الأعمال الأدبية التي لها قيمة حقيقية، فابحث عن الكاتب الحقيقي وقم بدعمه، قدم عنه مقالا ولو قصيرا بالعامية، انتقد ما تراه بعيدا عن معاييرك، اختر أعمالا لها معنى لكي تنتهي ظاهرة الخبال، عندما ينتهي الخبال سينتهي كُتاب السبوبة، ومن هنا تبدأ دور النشر بأن تزن بين الأدب المترجم والأدب العربي، ويختفي التفاوت بينهما، وسرعان ما نجد كُتابنا العرب يقفون صفوفا لكي يتم ترجمة أعمالهم، وربما إذ اتزنت معايير القارئ نفسه يتزن باقية الصف لكي نجدنا عائدين إلى سباق الأدب العالمي، هذا المقال فقط لكي أقول لك صراحةً إن التسلية أمر لا يمكن البُعد عنه في الأدب، ولكن الغرض الرئيس للغة هو التعبير والمعنى. فإذا ساء التعبير واختل المعنى، صار الخيال خبالًا.