منذ زمن بعيد كانت الأعراف والعادات هي الحاكمة، وصاحبة الرأي النافذ في الأمة العربية، حتى أن الكثير من الناس اختلط عليهم الأمر فصاروا يقدسون العادات كأنها جزء لا يتجزأ من الدين.

 ولا زلنا نرى قليلا من هؤلاء الذين باتوا لا يشكلون خطرا على الأجيال الإسلامية الجديدة لقلتهم، وجهلهم وضعف حجتهم وعدم مرجعيتهم الأساسية للكتاب والسنة لا يمكن أن ننكر أن هذا الفهم الخاطئ جلب لنا أضرارا أثرت على مستقبلنا بشكل فردي، وجماعي، ولكننا في مثل هذا العصر استطعنا أن نخرج من هذه الزلة لسهولة الوصول إلى المعلومات وانتشار العلم في الدول الإسلامية، لكننا لم نلبث إلا عشية أو ضحاها حتى أصابتنا ريح الأمراض التي انقسمت إلى قسمين:
1_ التطرف والغلو في الدين الذي نشأ عن فهم خاطئ للدين، وتطلع للجهاد، دون إيمان وإسلام صحيح.
2_ التغريب الفكري الذي غزى أحلام الشباب، فراحوا يتطلعون إلى عدالة الغرب ونجاحاته معتقدين بأنهم وصلوا إلى هذا المستوى بالتخلي عن الديانات وحصرها في المعابد والمساجد.

1_ التطرف: هو الإفراط في الشيء، ومجاوزة الحد. ويجب علينا أن نُعلم الجميع (إن لم يكونوا يعلمون) أن التطرف لم ينشأ عن دين أو عرق إنما هو حالة بشرية طبعها التجاوز في الشيء، وأن هذه الآفة لا تقتصر على عصر بعينه، إنما هي حالة أزلية منذ وجود البشرية. ومن المخاطر التي آل علينا بها (الإرهاب).

ولعلك عندما تقرأ هذه الكلمة يتبادر إلى ذهنك صورة رجل ملتحِ حافٍّ للشاربِ مرتديا زيا إسلاميا إلى نصف الساق أو ربما ستكتفي بصورة (شيخ) أو رمز إسلامي، وفي جميع الأحوال فان هذه الصورة التي تبادرت إلى ذهنك هي صورة مغلوطة عن الإرهاب لأنك هكذا قد حصرت الإرهاب (بدينٍ، وعرق، وحضارة)، وهذه الصورة لم تأتك من فراغ، بل لأن الإعلام هو من زرع في اللاوعي مسبقا أن المصدر الأساسي للإرهاب هو الإسلام، وذهبت متناسيا ما فعلته أمريكا في هيروشيما اليابان التي راح ضحيتها مائة إلف أو يزيد من أطفال، وشباب، وشيوخ عام 1945، دون أي ذنب قد اقترفوه، ولعلك قد تناسيت أيضا مذابحا قد ارتكبت من قبل الصليبيين واليهود بحق المسلمين مثل الإبادة الجماعية في سربرنيتشا التي تقع شمال شرق البوسنة والتي راح ضحيتها ثمانية ألاف مسلم موحد لله عام 1995، ومذبحة مدرسة بيسلان التي راح ضحيتها أكثر من ثلاث مائة وثلاثين شخصا في الشيشان عام 2004، وغيرها من المذابح التي ارتكبت على مدى عقود بحق مسلمي القوقاز وكشمير وبورما والمذابح التي ارتكبت بحق الشعب الفلسطيني ومازالت إلى يومنا الحالي.

نحن لا ننكر أن هناك جماعات بأسماء إسلامية قامت بأعمال لا تمت للإسلام بصلة لا من قريب، ولا من بعيد، إلا أننا نعلم جيدا من وراء هذه الجماعات التي راح ضحيتها الشباب المتحمسون غير العالمين بدينهم الذين غرتهم الشعارات، وحركت مشاعرهم صرخات النساء، ودمعات الأبرياء، فكانوا هم أول السفهاء الذين غُرر بهم لخدمة هذه المصالح المضادة للإسلام مع اعتقادهم أنهم يخدمون الإسلام. هكذا هم السفهاء، فأصل السفه في اللغة: نقص وخفة في العقل، والسفه نقيض الحلم، والسفيه أيضا هو شديد الغضب سريع البطش.
وأما القسم الثاني فتبعوا المال والقوة والجاه لتحقيق مصالحهم الشخصية؛ فكانوا عبادا للدّرهم والدينار فحقت عليهم التعاسة.

2_ ذهب الكثير من شباب هذه الأمة إلى أن الدين هو أساس تأخر تقدم هذه الأمة ورجعيتها ناظرين إلى الحضارة الغربية، وما حققته من تقدم خلال الحقبة الماضية، وخاصة عندما تخلت أوروبا عن الحكومات الراديكالية التي كانت تسود المنطقة في نهاية القرن الثامن عشر، وراح الكثير منهم إلى استخدام كلمة التطرف في مواضع خاطئة فقد أصبحوا اليوم يطلقونها على كل ملتزم، سواء أكان حزبيا أم غير ذلك، أي أن المسألة تعدت أصحاب الفكر المتطرف؛ حتى أنها أصبحت تتعدى على الثوابت الإسلامية.

وفي الآونة الأخيرة انتشر الكثير من الشباب الذين يعملون في مجال الفيديوهات القصيرة التي عادة ما يكون محتواها دون المستوى الأخلاقي والعلمي وتراهم يتصدرون الشاشات لانتقاد الدين تحت حجة أنهم ينتقدون رجالاته عن طريق طرح أمور دينية مثل سفر المرأة وعملها والاختلاط وما شابه ذلك، دون علم منهم، أو بعلم، ولا أعلم ذلك، وربما هم الذين وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بالرويبضة في الحديث التالي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: « قَبْلَ السَّاعَةِ سِنُونَ خَدَّاعَةٌ، يُصَدَّقُ فِيهِنَّ الكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهِنَّ الصَّادِقُ، وَيَخُونُ فِيهِنَّ الأَمِينُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الخَائِنُ، وَيَنْطِقُ فِيهِنَّ الرُّوَيْبِضَةُ».

 قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ: وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ؟ قَالَ: المَرْء التَّافِهُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ العَامَّةِ.
وهذا الوضع الراهن لا يعبر إلا عن الزلل بعد الثبوت، نعم؛ لأن الأمة اليوم ابتعدت كل البعد عن الثوابت الإسلامية، وراحت تلهث لهثاوراء الحضارات الغربية متناسية أن أساس التقدم هو العدل والمساواة، فعندما جاء الدين الإسلامي وحكم في ما أمر الله عم العدل والأمن، وانتصرت الأمة، وفتحت دولا وذاع صيتها، أم أنكم تناسيتم الرجل العادل الذي جاء مديحه من أعدائه حين قالوا فيه حكمت عدلت أمنت فنمت أم تناسيتم الرجل الذي نثر على جبال بلاده طعام الطيور لكي لا يقال إنه قد جاع طير في بلاد المسلمين.

وأخيرا سؤال على الهامش: هل استغنى الفاروق عن شرع الله؟ أم أن عمر بن عبد العزيز قد حصر الإسلام في المساجد ليصلوا إلى ما وصلوا إليه؟!