دي ميستورا مبعوث للأمم المتحدة أم لروسيا (يناير/2016/أ.ف.ب)

حسام كنفاني

لم تكن الشكوك تساور أحداً في أن الأمم المتحدة خاضعة للأهواء الدولية، وخصوصاً القوى العظمى في العالم، وتحولات مراكز القرار. الأمر متفق عليه في كل مفصل من مفاصل القضايا العالمية، بدءاً من فلسطين، القضية المركزية التي وقفت حيالها الأمم المتحدة موقف المتفرج، وكل ما ساهمت فيه إنشاء وكالات غوث باتت اليوم تحتاج إلى الغوث، وصولاً أخيراً إلى القضية السورية. وما بين الاثنتين أمثلة كثيرة يمكن أن تساق للتدليل على هذه الحقيقة التي يتم التعامي عنها أحياناً كثيرة، حين يكون الحراك الأممي متماشياً مع المصالح السياسية للأطراف، وخصوصاً العربية.


لعل الوضع السوري، اليوم، يمكن أن يشكل قياساً دقيقاً للتصرف الأممي، بمقاربة الموقف في الأيام الأولى للثورة، أو حتى قبل شهور قليلة من اليوم، مع ما سبق التحضيرات لاجتماع جنيف، الفارغ من أي مضامين، إذ يمكن اعتبار الأمم المتحدة شجرة في مهب الرياح الدولية، تتمايل معها كيفما تسير، وتحديداً الرياح الأميركية، وهي مستعدة لتغيير وجهة نظرها وتصرفاتها بناء على ما يستجد من تحالفاتٍ في المشهد الدولي العام. فالمشهد السياسي اليوم يميل لصالح معسكر نظام بشار الأسد، نتيجة التفاهم الخفي والعلني بين النظاميْن الروسي والأميركي، وعليه انضمت الأمم المتحدة تلقائياً إلى هذا المعسكر، وبات مبعوثها إلى سورية، ستيفان دي ميستورا، ناطقاً باسم الكرملين في ما يخص الشروط التي تريدها موسكو لعقد اجتماع جنيف، وفرضها الأجندة التي ترى أن الحوار ممكن عبرها وبالشخصيات التي تريدها.
لم يكن دي ميستورا في هذه الحالة وسيطاً، بل بات طرفاً مباشراً في معادلة الضغط على المعارضة السورية، وناقلاً أميناً للمطالب الروسية، إذ أصبح لموسكو الكلمة الفصل في الملف بعد الانكفاء الأميركي، أو التسليم بالقدرة الروسية في الميدان. وعليه، لم تحفل الأمم المتحدة، ممثلةً بدي ميستورا، بكل الملاحظات المقدمة لها من المعارضة قبل الذهاب إلى جنيف، بل حتى لم تحفل بمقاطعة المعارضة الأساسية للاجتماع، وأصرت على عقده بمن حضر، أي ممثلي النظام السوري والمعارضة التي اختارتها موسكو. الحوار، إذن، بين الوفدين، السوري والروسي، على الطريقة المثلى للإبقاء على النظام، مع تغييراتٍ تجميليةٍ لا تزعجه، وترضي الأميركيين في الوقت نفسه. والأميركيون، كما بات واضحاً، غير متطلبين في هذا المجال، فما تسرّب من تصريحات لوزير الخارجية، جون كيري، أظهر أن مسألة رحيل بشار الأسد لم تعد في الحسبان، ومشاركته في أية انتخابات رئاسية مقبلة باتت مفروغاً منها، وقضية المرحلة الانتقالية ليست على جدول الأعمال، وحتى ممنوع الحديث عنها، والكلام يدور في حده الأقصى عن حكومة وحدة وطنية، أي عودة بالأمور إلى الأسابيع الأولى من الثورة السورية، حين جرى الحديث عن هذا الأمر من دون أن ينفذ. الخيار الروسي – الأميركي – الأممي يتجاهل مئات آلاف السوريين الذين سقطوا، ولا يزالون يسقطون، بنيران النظام وغارات الروس، ويعتبر كل ما حصل خلال السنوات الخمس الماضية كأنه لم يكن.
من غير المستبعد، اليوم، أن تمضي الأمم المتحدة في حوارها، وتقدم نتائجه لاحقاً كإنجاز، في حال استمر غياب وفد الهيئة العليا للمعارضة عن الاجتماعات. لا شيء يمكن أن يمنع ذلك، طالما أن الضوء الأخضر الأميركي والروسي موجود، وها هي المنظمة الدولية على أتم الاستعداد لتقديم غطاء الشرعية الدولية لكل ما يتم الاتفاق عليه، وحتى لو أن ذلك لم يعن وقف القتل اليومي على الأراضي السورية، أو إعادة ملايين اللاجئين والنازحين إلى بيوتهم وقراهم، أو ما بقي منها. قد تكون هذه المسائل تفصيلاً لا تعطيه المنظمة أهمية، فالمهم تحقيق رضى الفاعلين الدوليين.