عزمي بشارة

مؤخراً، اتهم نتنياهو الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، بأنه يشجع الإرهاب، لأنه انتقد، في تصريح له، بناء وحدات استيطانية جديدة في الضفة الغربية المحتلة. والحقيقة أن بناء المستوطنات ذاته هو الذي “يشجع الإرهاب” بلغة نتنياهو؛ وبلغتنا مقاومة الاستيطان في أراض محتلة ليست إرهاباً، والاستيطان لا يشجعها، بل يسببها بتعبير أدق. الاحتلال هو سبب مقاومة الاحتلال، وليس تصريحات بان كي مون؛ والتحرّر من الاحتلال غايتها، وليس القتل. وقد تكمن أسباب ودوافع أخرى عند الفرد الذي يقوم بفعل المقاومة، لكن هذه لا يفترض أن تهم نتنياهو أو بان كي مون، فهي لا تغير من طبيعة المعركة الرئيسية ضد الاحتلال.
“الإرهاب هو المشكلة” يزعق كل احتلال في وجه التاريخ منكراً مستنكراً. ووراء هذا الخداع للآخرين وللذات، زعم عجيب، مفاده بأنه لولا مقاومة الاحتلال لسبّح الناس نعمة الاحتلال شاكرين.

“خلافاً للإرهاب ليس الاستبداد ظاهرة هامشية، بل مؤثرة على المجتمع ككل، اقتصاده واجتماعه وثقافته وحتى أخلاقه”

هذه المرة، زاد نتنياهو من عيار التخابث. فهو يتهم الأمين العام للأمم المتحدة بدعم الإرهاب، مفترضاً أن المزاج الدولي الحالي في مقاربة المنطقة العربية موات له، فالجميع يريد التشبث بعضوية نادي مكافحة الإرهاب الذي يحق لإسرائيل أن تدّعي أنها من قدامى مؤسسيه، ومالكة امتيازات فيه، مذ كانت تصرخ، وحدها في وادٍ، أن القضية الرئيسية في المنطقة هي الإرهاب.
وتُشَن حالياً حملة سياسية إعلامية منسقة (وكأنها مؤامرة) لفرض الإرهاب أجندة وحيدة على السياسات المحلية والدولية في منطقتنا. واللعبة مفضوحة. إنها إحلال الإرهاب مطرح الاستبداد والاحتلال كموضوع الساعة.
ليس الإرهاب (بتعريفنا له عنفاً موجهاً ضد المدنيين والمرافق العمومية) موضوعاً أساسياً كنظام الحكم السائد، ولا هو ظاهرة اجتماعية اقتصادية، مثل الفقر والتهميش والاستغلال الطبقي، ولا مثل الطائفة والطائفية، أو القبيلة والقبلية؛ ولا هو موضوع مدني يمس الناس جميعاً مثل حقوق المواطنة والحريات. وبغض النظر عن دوافعه، فإن جزءاً صغيراً جداً من المجتمعات العربية متورط فيه، وغالبية الناس الساحقة في المجتمعات العربية، مثل غالبية الناس في كل مكان، تنشد حياة أفضل، وتريد أن تعيش بأمان. والإرهاب على خطورته ظاهرة عابرة، لا تشكل بديلاً اجتماعياً سياسياً للأنظمة القائمة.
لقد مر مصطلح الإرهاب بتحولات كبرى، فالعناصر الراديكالية في الثورة الفرنسية استخدمت تعبير الإرهاب إيجابياً في وصف عنفها ضد الثورة المضادة، وكذلك البلشفية في مراحلها الأولى. وحركات التحرر الوطني جميعها سميت ذات يوم إرهاباً على سبيل الذم، وكذلك كل عنف ضد نظام حاكم، سواء كان موجهاً ضد قوات الأمن والحكام، أم المدنيين. وليست أنظمة الحكم عموماً مهتمة بتدقيق تعريف الإرهاب، وحصره بالعنف ضد المدنيين والمرافق المدنية. فهذا يخرج مقاومة نظام عسكري فاشي من نطاق الإرهاب، حتى لو كان هذا النظام تعسفياً يمارس القمع والإذلال والتعذيب ضد المدنيين بشكل دائم، ويحظر تدخل الناس أصلاً في المجال العمومي، ويمنع التعبير السياسي السلمي، فضلاً عن التغيير السياسي السلمي.
بهذا، يصبح مقاومو النازية الألمانية والفاشية الإيطالية، والدكتاتوريات العسكرية في أميركا اللاتينية، وحكم الخمير الحمر في كمبوديا، إرهابيين، وكذلك مقاومو حرب النظام على الشعب السوري. وهذا التصنيف بحد ذاته ليس مهماً، فهكذا صُنِّفت حركات التحرر كلها، لولا أنه يجمعها مع أمثال تنظيم الدولة الإسلامية والحركات الفوضوية في أوروبا نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، والجيش الأحمر الألماني والإيطالي والياباني في سبعينيات القرن الماضي، وعصائب أهل الحق وكتائب أبو الفضل العباس وغيرهم، ممن يمارسون العنف العبثي لإثارة الفوضى وبث الرعب في صفوف الآمنين، أو لأغراض الانتقام الطائفي، أو لإشاعة الفوضى وهز بنى الدولة والنظام هدفاً بحد ذاته، أو لفرض نمط حياة شمولي على الناس، حيث تتراجع سلطة الدولة.

“طرح الاستبداد قضية مركزية في البلدان التي يسود فيها، وطرح البديل الديمقراطي له، هما مهمة القوى الديمقراطية”

والحقيقة أن ما يجمع أنظمة الاستبداد مع هذه الحركات أهم مما يجمعها مع حركات المقاومة السلمية والمسلحة. فهي وجهه الآخر، لأنها تعبر عن يأسٍ من التغيير السلمي، وغضب شمولي ضد نظام شمولي؛ ولأنها تقابل الظلم الشامل بعنف شامل، والنظام المفروض بالعنف والفوضى المفروضة بالعنف أيضاً.
لا يناقش باحث واحد في أن طبيعة ثورات العام 2011 العربية كانت سلمية عفوية مدنية. كانت عفويتها مصدر قوة في التمرد والثورة، ومصدر ضعف عند طرح البديل. لكن الثورات السلمية فتحت بتجاوز الخوف ثغرة في جدار أنظمة الاستبداد، لتنفذ منها صيرورة التغيير بالطرق السلمية. وهو ما بدأ يُنجز عربياً، وكأنه حلم يتحقق. وهذا الوعد بحد ذاته لم ينه العنف. فعملية التغيير طويلة وشاقة، كما يقال، لكنه أنعش أمل المهمشين والمعذبين على طول الأرض وعرضها. ومع أمل الشعب كله بالتغيير السلمي، تبينت هامشية الحركات العنيفة.
وفي عام التغيير نفسه، حاولت أنظمة بعينها أن تثبت أن مبارك وزين العابدين سقطا، لأنهما لم يستخدما قدراً كافياً من العنف ضد أعمال الاحتجاج السلمية، وأشكال التنظيم والتنسيق، والمظاهرات والمتظاهرين. وليس مصادفةً أن نظامي القذافي والأسد هما من قدّما نموذج التعامل الحربي مع المتظاهرين كإرهابيين، لإنتاج المواجهة بين الإرهاب ومكافحة الإرهاب مثل نبوءة تحقق ذاتها. وقاوم النظام القديم في مصر (بمركباته المختلفة) التغيير السلمي، وانضمت أنظمة عربية رجعية معادية للديمقراطية إلى التآمر الفعلي والمباشر على عملية التحول الديمقراطي، حتى الانقلاب العسكري وإقامة حكم الطغمة العسكرية في مصر.
لقد تصاعدت أعمال العنف بشكل ملحوظ، وأطلقت صفارات الإنذار ضد الإرهاب. وعندما يعلن هذا النفير لا يتوقف كثيرون عند “تفاصيل”، مثل الاعتقال التعسفي والتعذيب ودوس حقوق الإنسان، هذا فضلاً عن قصف المناطق المأهولة بالسكان. وتتشكل الحالة التي تنشئ موجات جديدة من الإرهاب مستقبلاً، ومعه المتساذجون المتسائلون عن أسبابه.
المسألة المركزية في البلدان العربية هي الاستبداد، والعنف الرئيسي الممارس هو عنفه. وخلافاً للإرهاب ليس الاستبداد ظاهرة هامشية، بل مؤثرة على المجتمع ككل، اقتصاده واجتماعه وثقافته وحتى أخلاقه. والعنف العبثي ليس بديلاً للاستبداد. إن طرح الاستبداد قضية مركزية في البلدان التي يسود فيها، وطرح البديل الديمقراطي له، هما مهمة القوى الديمقراطية.