رافعات البناء في مستوطنة راموت في القدس (27 يناير/2016/Getty)

كلوفيس مقصود

هاجم، أخيراً، رئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتنياهو، الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، عندما دان الاعتداءات التي تحدث في إسرائيل في مستوطنة بن هران، وأضاف كي مون أن الشعور بالكبت عند الفلسطينيين ينمو تحت وطأة نصف قرن من الاحتلال والشلل في مسيرة السلام. ووصف استمرار العمليات الاستيطانية بأنه “إهانة للشعب الفلسطيني والمجتمع الدولي”. وأضاف أن وضع حقائق جديدة على الأرض في الضفة الغربية المحتلة يؤدي إلى استقطاع جزء من أراضي الضفة الغربية الذي يجعل الفلسطينيين عاجزين أن يعيشوا في أرضهم بكرامة.


ورد عليه نتنياهو قائلاً إن كلمات الأمين العام للأمم المتحدة تعطي إجازة للإرهاب، كما أضاف أن القتلة الفلسطينيين لا يعنون ببناء دولة، “إنهم يريدون أن يهدموا الدولة، ويقولون ذلك علناً، يريدون قتل اليهود”.
يدل هذا الكلام على أن نتنياهو يريد أن يعطل عمل الأمم المتحدة، وحقها في إعلان الحقائق، كون هذا دور الأمم المتحدة الأساسي، وأنه طالما عمل على خرق قرارات الأمم المتحدة، حتى يتسنى له الاستمرار في الاستيطان. معطياً، في الوقت نفسه، الدليل على أنه، نتنياهو، لا يحترم القانون الدولي، ولا يريد أن يتعاطى مع الأمم المتحدة التي تسعى لإعطاء الحقوق للشعب الفلسطيني.
يهدف استمرار الحكومة الإسرائيلية في مزيد من البناء في القدس الشرقية إلى أن يحول دون أن تكون القدس عاصمة لدولة فلسطين. وهكذا، تكون القدس عاصمةً، وحدها، لدولة إسرائيل. كما أن وجوداً مكثفاً للمستوطنات على أراضي الضفة يجعل من إسرائيل أرضاً مغتصبة “بالفتح”، فالتوغل الاستيطاني يلغي سمة الاحتلال، كما يحول دون قيام الدولة الفلسطينية، ويؤول حتماً للحيلولة دون قيام دولة فلسطين.
عندما طالب الرئيس الأميركي، باراك أوباما، في عام 2009 بتجميد الاستيطان، علقت على هذا الطلب بأن التجميد غير وارد، “فالاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية يقلص إمكانية قيام دولة فلسطينية، في حين يبدو جلياً أن إسرائيل لن تتخلى عن المستوطنات، ويبقى الرهان على أن إسرائيل لن تسمح بإزالتها، فهي تعتبرها أرضاً إسرائيلية، حيث إنه من المفترض أن الضفة الغربية أرض تقام عليها دولة فلسطين، وعاصمتها القدس الشرقية”.
المستوطنات، إذن، عائق من شأنه أن يؤدي إلى تعطيل قيام دولة فلسطينية على أرض فلسطين. لم تكتف إسرائيل ببناء مستوطنات، بل شجعت على قيام مؤسسات وشركات تنتج البضائع للأسواق العالمية، ما أدى إلى طلب منظمة الاتحاد الأوروبي من إسرائيل أن تضع على هذه المنتجات ما يفيد بأنها من إنتاج مستوطنات إسرائيلية، والتي هي غير شرعية بموجب القانون الدولي، وكل قرارات الأمم المتحدة بهذا الشأن.
… عندما أعلنت السويد اعترافها بدولة فلسطين، تكون أول دولة أوروبية تقوم بهذا الاعتراف. وكما قالت وزيرة خارجية السويد، مارغريت والستروم: “إن الطرفين غير متساويين، وإن السويد مستعدة للقيام بمبادرةٍ للتفاوض تناسب الوضع الحالي. إذ إن المحادثات السابقة، وما سمي بالمفاوضات، كانت غير ذات أثر، ومضيعة للوقت، كما اختبر وزير خارجية الولايات المتحدة جون كيري بنفسه”. وأيضاً كما ورد، منذ حوالي أسبوعين على لسان السفير الأميركي في إسرائيل، دانيل شابيرو.
… في إحدى المؤسسات المعنية الدولية في إسرائيل، تكلم السفير شابيرو، وأشار إلى أن

“لم تكتف إسرائيل ببناء مستوطنات، بل شجعت على قيام مؤسسات وشركات تنتج البضائع للأسواق العالمية”

القانون المطبق في الضفة الغربية على الفلسطينيين يطبق بشكل مخالف، وقال: “هذا غير مقبول”، ما أدى إلى رد إسرائيلي أن “هذا مرفوض وعلى السفير سحب ما قاله”. علقت صحيفة واشنطن بوست على هذا الكلام بـ “أن هذا حقيقي، فالفلسطينيون يحاكمون في المحاكم العسكرية، بينما المستوطنون يحاكمون في المحاكم المدنية”. وأغضبت تصريحات شابيرو هذه إسرائيل مما أدى إلى أن يقول نتنياهو إن كلام السفير الأميركي “غير مقبول وخطأ”. ويأتي هذا بينما تتعرّض إسرائيل لانتقادات شديدة متجددة من الدول الأوروبية ومنظمة الاتحاد الأوروبي.
يبدو أن خطاب شابيرو جاء في أعقاب مطالبة وزيرة خارجية السويد لتحقيق شامل لكل الممارسات الإسرائيلية المنافية للقانون الدولي. وأثار ما قالته وزيرة خارجية السويد غضب المسؤولين الإسرائيليين الذين أصرّوا على “أنها غير مقبول بها في إسرائيل”.
في كلمته، أثار السفير شابيرو أن السلطات الإسرائيلية لم تجرِ تحقيقاً جدياً مع المستوطنين، وأضاف: “لا يوجد تحقيق جدي، ما يعطي انطباعاً أن هناك معيارين للتعامل بالقانون، واحد للفلسطينيين وآخر للإسرائيليين”. كما طالب وزير العدل الإسرائيلي، إيليت شاكاد، السفير الأمبركي “بأن يسحب كلامه”. وفي كلمة للسفير شابيرو أيضاً، قال: “إننا مرتبكون إزاء استراتيجية إسرائيل فيما يختص بالمستوطنات. إننا محبطون ومرتبكون بالاستراتيجية الإسرائيلية فيما يتعلق بالمستوطنات التي تعتبر غير شرعية”.
أكدت إسرائيل باستمرار أنها ترغب في التفاوض على أساس حل الدولتين، كما التزمت به حكومات إسرائيلية سابقة، غير أن هذا يصبح من المستحيل إذا أصرت إسرائيل على استمرارها في سياسة الاستيطان. وتضمن قول السفير شابيرو أن هناك قاعدة أمامية للمستوطنين: يجري جعلهم قانونيين، في حين أن مؤسسات فلسطينية يتم تدميرها، ويتساءل السفير: ما هي استراتيجية إسرائيل؟ وتابع : “صار أكثر صعوبة أن ندافع عن إسرائيل في المنابر الدولية، خصوصاً في غياب مفاوضات السلام”. وتساءل ما هي الخطة الإسرائيلية في حل هذا النزاع؟ ومن أجل أن تبقى إسرائيل دولة ديمقراطية يهودية؟ وأنهى كلمته متذمراً أنه، على الرغم من وعدها للولايات المتحدة أنها لن تبني مواقع استراتيجية جديدة، فإن إسرائيل تستمر في تدمير بنى فلسطينية. لذا “نتساءل عن خطة إسرائيل في حل هذا النزاع”.
ما ورد في كلام السفير الأميركي، بنقده الواضح سياسات إسرائيل، لا يعبر عما ورد من نقدٍ، أحيانا لاذع، لإسرائيل. لكن، ما من شك أن هناك موافقة عليه من البيت الأبيض ووزارة الخارجية، إذ يفترض أنهما وافقا عليه مسبقاً. بمعنى آخر، لم تبق إسرائيل في منأى عن النقد من أقرب حلفائها، ولن يبقى الكونغرس يردد، هو الآخر، مواقف إسرائيل، كما كان في السابق وحالياً. وكان الكونغرس، في معظم أعضائه، سجناء “إيباك” في الماضي القريب، وحتى الرئيس الجديد المنتخب سوف يدرك أن المواقف ومطالب إسرائيل من الولايات المتحدة لن تستمر كما كانت عليه في السابق. وكلام السفير الأميركي ينطوي على أن إسرائيل لن تعود في منأى عن المساءلة، وهو ما يبدو مثل بريق أمل بأن فلسطين مقبلة على أيامٍ قد تكون واعدة بأن ما تحقق من تأييد وتجاوب دوليين أصبح مرشحاً لإنجاح ما يتوخاه العرب، والقسم الأكبر من الرأي العام الدولي.
علينا أن نجيب عن التساؤلات التي وردت في خطاب السفير الأميركي شابيرو، بهدف أن تصبح دولة فلسطين واقعاً على أرضها، والقدس الشرقية عاصمتها. هذا لم يعد يبدو بعيد المنال، بل الآن هو مرشح أن يكون في حيز الصيرورة.