مغاربة يتظاهرون ضد الشرطة وتخفيض موازنة التعليم (24 يناير/2016/Getty)

محمد ديبو

بفعل تركة الاستبداد الثقيلة، تقدم الشق السياسي في ثورات الربيع العربي على الشق الاقتصادي، فالقمع المديد حوّل الحرية، في أذهان الشعوب والنخب، إلى يوتوبيا سحرية، يكفي أن تحضر حتى نصل إلى “المدينة الفاضلة” التي تحقق الرفاه والعيش الرغيد، وهو ما يكتشف الجميع خواءه اليوم. وعلى الرغم من أن المطالب الاقتصادية، المتمثلة بالشغل وتأمين فرص العمل وضمان الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والنقابية والصحية والتعليمية، لم تغب عن ثورات الربيع العربي شعاراً، إلا أنها لم تحضر أيضاً بقوة برامج عمل، بالتوازي مع برامج الانتقال السياسي التي تعددت وتنوعت أشكالها، طوال السنوات الخمس، وإن كانت وجدت في بعض البلدان، فلم تجد طريقها إلى التطبيق.


ويعود غياب البرامج الاقتصادية عن ثورات الربيع العربي إلى أسباب كثيرة: أولها “اليوتوبيا” الحالمة والمغلوطة التي حملها شباب الربيع بأن الحرية تعني حتماً تقدماً ورفاهاً اقتصادياً، لأنها تتيح الشفافية والمراقبة والمتابعة، غير مدركين أن رحلة الانتقال من الحرية، فكرةً، إلى الديمقراطية، مؤسساتٍ، عسيرة وطويلة أولاً، وأن الديمقراطية لا تعني رفاهاً اقتصادياً بالضرورة، أو حلا للمشكلات الاقتصادية المزمنة ثانياً، لأن الديمقراطية ديمقراطيات، بعضها احتكاري متوحش، وبعضها اجتماعي اشتراكي، وقليل منها ذو توجهات اشتراكية صريحة، تأخذ مصالح الطبقة الدنيا بالاعتبار، ناهيك عن أن لكلٍّ من تلك الديمقراطيات قوى تشكل الحوامل الاجتماعية لهذه المشاريع. وإذا عرفنا أن الحامل الاجتماعي للطبقة العريضة من المجتمع هو الأضعف، إذ لم يتح له تنظيم نفسه في فترة قصيرة، ما يعني بقاء الاقتصاد وإدارته بعهدة الدولة العميقة التي ظنت أن بإمكانها رشوة الشعب بحرية الكلام، في مقابل الصمت على الجوع، ما يقودنا إلى السبب الثاني.
ثانيها: إمساك الدولة العميقة ورؤوس الأموال الدائرة في فلكها بالمفاصل الأساسية للاقتصاد، بل قد تكون المراحل الانتقالية مكّنت هؤلاء من فرض هيمنتهم أكثر بفعل التحرّر من التزامات السلطة التي ضعفت قبضتها أولاً، وبفعل غياب أية رقابة مجتمعية، في ظل اتجاه الشعوب نحو التركيز على السياسي ثانياً، فبقي الاقتصادي ومفاتيحه في يد هؤلاء الذين أعادوا “التكويش” على الشق السياسي، بطريقة أو بأخرى، في ظل عجز القوى الثورية الجديدة عن بلورة البديل

“الديمقراطية لا تعني رفاهاً اقتصادياً بالضرورة، أو حلا للمشكلات الاقتصادية المزمنة”

السلطوي الديمقراطي والاقتصادي، فكان أن أعاد هؤلاء إدارة الاقتصاد بالعقلية الاستبدادية نفسها. وأحياناً، لصالح الدولة العميقة، متذرعين تارة بأن مفاصل القرار ليست بيدهم، كما في الحكومة التي يقودها حزب العدالة والتنمية في المغرب، والتي رفعت أسعار المحروقات وضيّقت على المعلمين، وأحياناً بذريعة أن المرحلة الانتقالية تحتاج التقشف والتضحية ممراً إجبارياً، أو أن المصالحة الوطنية والطبيعة الاقتصادية للبلد تتطلبان ذلك، كما في قانون المصالحة الاقتصادية في تونس، إلا أن مرور خمس سنوات من دون تحقيق شيء، ذكّر أصحاب البطون الخاوية بأن السلطة هي السلطة في نهاية المطاف، والشارع هو مكان الضغط عليها، لتذكيرها بأنه الشعب.
ثالثها: النمط الاقتصادي المهيمن عالمياً، والذي يعمل على احتواء الثورات اقتصادياً وإدراجها في سياقه الاقتصادي، من خلال إخضاعها لمعايير صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية، لتسير في رحاب الاقتصاد الليبرالي المفتوح الذي يركز على الخصخصة، وتقليل البرامج الاجتماعية للدولة، والابتعاد عن نمط الدولة التدخلية لصالح الدولة الراعية التي يحصر دورها بالتنظيم والإشراف، بينما تبقى اليد العليا لحيتان المال داخلاً وخارجاً، ما يحوّل بلدان الربيع، في نهاية المطاف، إلى مجرد أسواق لدول المركز الاقتصادي.
بعد خمس سنوات من التيه في رياح الحرية والمراحل الانتقالية، أدرك شباب الثورة أن الحرية وحدها لا تطعم خبزاً، وأن عليها أن ترفق ببرامج اقتصادية، تعيد هيكلة الاقتصادات في العمق، لفتح المجال أمام الاستثمار وتوسيع القطاع العام والقاعدة الصناعية لاحتواء البطالة، وتأمين فرص عمل للأجيال الجديدة، ما يتطلب مرحلة انتقالية ثانية. على المستوى الاقتصادي إن صح التعبير، تقوم على الانتقال من اقتصاد الاستبداد، القائم على الرشى والفساد والتدخل إلى اقتصاد الدولة الديمقراطية، القائم على التزام رفاه الشعب وتأمين احتياجاته ومتطلباته، قبل أي شيء آخر. واندلاع الاحتجاجات في تونس والمغرب (وقد تكون مصر على الطريق على الرغم من تعثر انتقالها السياسي، بل قد يتحقق هذا من بوابة الشق الاقتصادي الذي سينفجر عاجلاً أم آجلا) يؤكد أن الحرية لا معنى لها إن لم تطعم خبزاً، وتؤمن الكرامة التي تأتي من الشغل بما يقي الشعب ذل الحاجة والسؤال.