تعيش منطقة الشرق الأوسط – منذ ما يقارب قرنًا كاملًا أو يزيد عليه بقليل – جملة من التقلّبات والتغيّرات، التي جعلت منها مسرحًا لتجارب ونزوات حكم وسلطة، لا تلبث أن تنهدم على رؤوس أصحابها، ولا تورّث خلفها إلا الدمار والشقاق وتخرّب البنية المجتمعية في الشرق الأوسط.

وتنقّلت هذه المنطقة بين أشكال الحكم تنقّلًا رهيبًا، لكن بثوابت واضحة فهي تضرب الداخل بيد العسكر وتغازل الخارج بسياسة العمالة والتبعية، وتأكل الاقتصاد أكلًا جمًا، وتحبّ الفساد الإداري حبًّا عجيبًا وكأنه أحد أركان البقاء في السلطة، وتنظر إلى الشعب بعين راعي القطيع الذي يمنّ على أغنامه بأنه يطعمهم ويسقيهم ويؤمن لهم حظيرة ينامون فيها، وكلّ ذلك لينسى القطيع أنه يحلبهم ويبيع صوفهم وجلودهم، ويبني ثروته على ظهورهم، وإذا جاع يومًا ذبحهم وأولم من لحمهم وليمة لأقرانه ورفاقه.

هذا هو منهج الحكم العام في منطقة تنظر إليها عيون العالم أجمع، ولا تريد لها أن تتنفّس العدل والرخاء، وفي كلّ فترة يرسمون لها مخططًا بأيدي مرتزقة لهم مأجورين أو حمقى بلا أجر، لكي تكتمل فصول مسرحياتهم وتستمر مأساة هذا الشرق المظلوم.

تكالب الغربيون على هذه المنطقة بعد انحسار الدولة العثمانية وسقوطها، وحاولوا بشتى الوسائل تركيعها وإخصاعها كي لا تعود إلى مقدمة العالم، وكي لا تهدد سطوة الغرب على أمم الأرض في هذا الزمان، ولا شكّ أنّ هذه المنطقة كانت ولقرون عديدة الممسكة بمفاتيح الحل لكل الدنيا حتى سقوط الخلافة العثمانية، فلا يراد لهذه المنطقة أن تعود إلى دورها ومكانتها القديمة.

لذلك عمدوا إليها فقسموها كما تقسّم الكعكة في حفلاتهم، وزرعوا في وسطها دولتين طائفيتين بغيضيتين دولة ولاية الفقيه ودولة الكيان الصهيوني، لكي تكونا كلاب حراسة للقطيع العربي فكلما ابتعد القطيع وعجز الرعاة عن ضبطه، أفلتوا عليه كلابهم لتعود، وبقي المال الإيراني والإسرائيلي أداة جيدة في زرع الفتنة والانقسام داخل هذه المنطقة وجعلوا منها مناطق توتر ونزاع مستمر.

عندما برزت الأحزاب القومية العربية في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي لقيت ترحيبًا عظيمًا من قبل الشعوب، ولكن بعد وصول هذه الأحزاب إلى السلطة كحزب البعث السوري والعراقي والحزب الناصري والمؤتمر الوطني اليمني… إلخ، زادت الفرقة بين الدول العربية أكثر، وتعمّق شعور الانتماء إلى حدود سايكس بيكو أكثر وأكثر.

عندما برزت الأحزاب الدينية التي تعلن سعيها الوصول إلى حكم الشريعة الإسلامية، أيضًا حظيت بضجة إعلامية واسعة وتأييد شعبي، كالإخوان المسلمين والقاعدة وتنظيم الدولة وغيرها.
وبعد وصولها للسلطة كان سعيها لأحزابها فقط وليس للأمة كما كانت تعلن؛ وصارت ترى نفسها الفرقة الـ73 وكل ما دونها في النار.

اليوم، تسعى الأحزاب القومية غير العربية للبروز، وما وصولها إلى السلطة إلا لتعميق الفرقة والخلاف بين أبناء القومية أنفسهم، ومن يرَ الشقاق بين منظري دولة كردستان البرزانيين والأوجلانيين يدرك بلا أدنى شك يساوره أنهم لن يجروا للكرد إلا نفس السيناريو الذي جرته أحزاب العرب للعرب.
وكذلك الأمر ينسحب على منظري التركمان فما يجري من تكتلات وتجمعات تغذي الروح القومية التركمانية ستجرهم لاحقًا نحو خلافات كبرى؛ ومن يرَ تعدد الرايات التركمانية يدرك بلا أدنى ريب أنهم يُقادون إلى المستنقع القومي الذي وقع فيه البعثيون العرب والانفصاليون الكرد.

هي خطط واضحة ومدروسة بعناية لتحاكي عواطف الشعوب وتمتص غضبهم، وتستغل قدراتهم وتسرق أهدافهم، ثم ما تلبث أن تضحي بهم وبطموحاتهم وتلقي بهم حطبًا في نار الصراعات والخلافات والشقاقات.

إنّ هذه المنطقة لا يروي عطشها ويشفي علتها إلا المشاريع الجامعة الموحّدة، وكل ما دون الجماعة هي مشاريع صبيانية لن تحكم وإن حكمت فلن تطول، وثقافة الإقصاء والتخوين وتفصيل الدول على مقاسات الأحزاب الحاكمة لا تصلح لاستقرار المنطقة بأي شكل.