بادئ ذي بدء يجب أن أقول إن ما يسمّى بالاعجاز له شعبية ليس عند المسلمين فقط، وانما حتّى عند الأديان الأخرى، كالمسيحية واليهودية، لكن لن أناقش هنا ادّعاءات أتباع الديانتين؛ لأنها لا تعنينا كمسلمين. كما أنه عندما أقول إن الانشغال بما يسمى (الإعجاز العلمي) هو نصب ودجل وأوهام، وهدم للأديان، فليس القصد إثبات أن الدين ليس فيه نصوص تتفق مع العلم.

المتدين عامة يبحث عن ما يبرر إيمانه الذي ورثه عن آبائه حسب ثقافة العصر الذي يعيشه، وحرص المسلم على تبرير إيمانه علميا هو نفس ما يحدث للهندوسي والمسيحي واليهودي والبوذي، كل هؤلاء لديهم نصوص في كتبهم تتفق مع العلم الحديث، وبعد أن ظهرت للعالم كل منجزات العقل البشري من تفكير حديث وتكنولوجيا لا يمكن الاستغناء عنها ازدادت ثقة الناس بالعلم؛ فأصبح من السهل التوفيق بين سلوكيات الناس وبين العلم، وربط هذا كله بالدين مثلما قام  زغلول النجار وذاكر نايك وأمثالهما، وعندما يرى الناس أن سلوكياتهم الدينية موافقة للعلم يتعزز إيمانهم ويطمئنوا أكثر للحياة الآخرة.

لكن في الحقيقة ظهور عقلية التوفيق بين النص القرآني المقدس والمطلق وبين النظريات العلمية القابلة للأخذ والرّد كانت عندما حدثت صدمة الحداثة عند المسلمين، فاصبح بعض رجال الدين يتعاملون بشطحاتهم مع كتاب مقدّس كالقرآن، وكأنه كتاب حول نظرية الأعداد، فهل المنهج العلمي يوافق المنهج الديني حتى نتعامل مع القرآن تعاملا علميا؟

إن العلم الحديث أصبح يعتمد على الكثير من المعايير للوصول إلى الحقيقة وتفسير الظاهرة الطبيعية وصياغتها في شكل قانون رياضي ومن أبسط المعايير الملاحظة والتجربة.. فهل يمكن تفسير معجزة النبي موسى الذي ضرب بعصاه البحر وانشقّ البحر الى نصفين؟ هل يمكن تكرار هذه الحادثة لإقامة التجارب العلمية للتحقق من صحتها؟ هل يمكن للمسلم أن يستعمل المنهج التجريبي في تفسير معجزة النبي محمد في الإسراء وذهابه إلى الأقصى دون أي وسيلة نقل أو صحن فضائي ومتحديا القوى الجاذبية وضاربا عرض الحائط كل قوانين الميكانيكا؟ قد يقول قائل ماذا عن الآيات التي أشار إليها القرآن والتي أكّدها العلم الحديث؟ وأقول لماذا التغاضي عن أمور تعتبر غير منطقية علميا في القرآن، فسيرد بأنها معجزة، وأقول هل هناك مكان في العلم الحديث لمفهوم المعجزة التي هي أصلا تخرق المنهج العلمي؛ لأنها تعتمد على التسليم القاطع والجازم؟ 

وبالتالي فلو كانت هناك علاقة بين العلم والدين فلماذا هناك صراع بين بين العقل والنقل كما نقله لنا التاريخ الإسلامي  ولماذا تم تكفير المذاهب والفرق الإسلامية التي قدّمت العقل على النقل، وأن (من تمنطق تزندق)؟ فلو قالوا إن العقل لا يخالف النقل، لقلنا إن ذلك صحيح، لكن ليس في عصرنا الحالي؛ لأن في عصر النبوة الكثير من المعجزات كانت هينة على عقول الذين قبلوها، وكانت السماء في حالة تواصل مع الأرض، ولهذا لم يكن هناك تعارض بين العقل والنقل، وإلا فلتسأل المسلم لماذا لم تحدث نهارا جهارا ونرى النبي صاعدا أمامنا في معجزة الإسراء؟

 إن المنطق الذي تعامل فيه سلف المسلمين زيّن لهم أن يصدقوا أن اليهود في آخر الزمن سيفتن عليهم الحجر والشجر للمسلمين (ورائي يهودي يا مسلم تعال فاقتله) لأن السلاح الذي عرفه السلف هو السيف والرمح والدرع، لكنه أصبح حديثا غير مقبول تماما، مع ظهور أسلحة جد متطورة وصواريخ كروز والقنبلة النووية التي يمكنها أن تمسح الجميع عن وجه الأرض في ثانية واحدة، بل الإسرائيلي لا تخفى عليه خافية؛ لأنه يتجسّس على العالم بواسطة الأقمار الصناعية، يمكنه أن يتوقع مكان أعدائه وتعقبّهم طوال الوقت، لذلك لا نجد العلم في القرآن؛ لأن رب القرآن كان يعلم أن البشر لم ينضجوا بعد ليحدثهم حديث العلم والجينات الوراثية والهندسة والقنابل النووية، فلو افترضنا وجودها لكانت أمرا عاديا في الوقت الحالي، لكن أطلب من القارئ أن يتخيّل مشهدا وفيه النبي محمّد يدعو قريش إلى الإسلام، ثم يقول لهم سيأتي  زمن يسافر فيه الإنسان إلى القمر، وسيخترع مركبات تطير به في السماء، وأن يعلم ما يحدث في أقاصي البلدان البعيدة دون أن يتحرّك من مكانه كيف سترد عليه قريش؟ ولهذا خلا النص القرآني من علم اليوم، وإلا لسبقنا السلف في اختراع الصواريخ العابرة للقارات والأسلحة البيولوجية.

ثم إن النظريات العلمية والاختراعات والاكتشافات ووصول الإنسان إلى القمر لم تأت من كتب دينية، وانما هي نتاج البحث العلمي وتطبيق المنهج التجريبي وأيضا اتصاف العلماء الكبار بالموضوعية والبعد عن التحزّب أو التعصب للدين، كان الشغل الشاغل للعلماء، سواء المسلمون وغير المسلمين، معرفة كيف يسير هذا الكون، وما هي القوانين التي تحكمه، وليس أن يحاولوا إثبات صحّة معتقداتهم، وهذه القوانين العلمية هي قوانين نسبية، وتتميز بالقصور، وهذا طبيعي؛ لأن الإنسان ليس منزّها عن الخطأ.

 كما  أخطأ المسلمون بالقول إن التوحيد مبدأ حصري لهم يدعمه العلم الحالي، ونفوا هذا الاتجاه عن كل الأديان الأخرى، ونسوا أن الزرادشتية ديانة توحيدية بالأساس، كذلك اليهودية والدرزية، حتى أن الإيمان الزرادشتي نادى بالتوحيد الخالص الذي لا تشوبه شائبة، وهي جملة شاعت بعد ذلك في الإسلام، وعندما يظن المسلم بأن الزرادشتي غير موحد لأنه يعبد النار.. فنفس الاتهام يوجه له بأنه غير موحد لأنه يعبد الكعبة، وأقوال السلف حتى لا نقول أن يعبد حتى اجتهادات العلماء الفقهية.. ونسي الطرفان أن النار والكعبة ما هي إلا رموز دينية لخالق أعظم وجوهر لوجودهم الفلسفي.

ويجب أن نشير أن النظريات العلمية لا تصاغ دفعة واحدة، بل تعتمد على مبدأ التراكم المعرفي. فمثلا نظرية التطوّر والتفكير في أصل الأنواع لم يظهر عندما نشر داروين أشهر نظرية في العصر الحديث والمسمّاة بنظرية التطور، بل حاول علماء البيولوجيا البحث في أصل الأنواع قبل داروين الذي استعان بأعمال العلماء السابقين حول هذا الموضوع لكي يقوم بإكمال بحثه ويضع بصمته الخاصة عليه – عد إلى مقال حول نظرية التطوّر، لكن هل خضعت النصوص القرآنية لتراكم معرفي؟ هل النصوص القرأنية خضعت للتجربة والمناقشة حتى دوّنت؟ إن الأديان عبارة عن أمور متعلقة بالاختيارات الحرة للأفراد، وهي تقوم أساسا على التصديق والتسليم، فهل قوانين الميكانيكا والطاقة والبيولوجيا تمّت صياغتها بالتصديق والتسليم الجازم؟

الطريف في المسألة أن علماء الإعجاز ينتظرون اكتشاف الحقائق العلمية من طرف العلماء المختصين الحقيقيين؛ ليقوموا ومن معهم بالبحث لها عن مقابل في الجمل القرآنية عبر التأويلات المغالية والتخريجات الغريبة الخزعبلاتية، وللأسف ملأت ثرثرتهم ولفلفتهم العالم الإسلامي ضجيجا حتى أفسدت عقول الناس، فاستغل الاستبداد السياسي والإسلام السياسي الوضع ليمولوا تجّار الإعجاز الذين تكاثروا بطريقة أسّية، وياليتهم اكتشفوا شيئا جديدا بشطحاتهم ليحفظوا ماء وجه العالم الإسلامي! للأسف تاريخنا يشهد أن العلماء الحقيقيين اتهمناهم بالزندقة والإلحاد وقتلناهم وكفّرناهم باسم السنّة ولا أحد اعترض، وأصبحنا نهلل لأشباه العلماء، والذين كتبوا في أحاديث السلف مع العفاريت، أكثر من كتابتهم في العلم الطبيعي.

وفي الختام أقول للكثرة الكثيرة المستسلمة لدغدغة العواطف وهدهدة والأحاسيس. ما أضل من قبلكم إلا حشر الأديان في كل شيء حتى في طرق الطعام والشراب والملبس والطبخ والرضاع…إلخ، وإن مجرد تحليل خرّافات الإعجاز، لقطعتم أرزاق المتاجرين بالقرآن، لأنه من كان في ريب مما نزل على محمّد فليأتي بسورة من مثله، يعني إثبات صحة القرآن هي قضية دينية؛ لأنه لو حوّلناها إلى قضية علم لخرج الناس من الإسلام أفواجا.