قضية سدّ النهضة، ومتفرّعاتها الثانوية من خلافاتٍ حدودية بين مصر والسودان من جهة، وبين السودان وإريتريا من جهة أخرى، تشي بحراكٍ كبيرٍ وميداني، قد يؤدي إلى وقوع الجدار على رؤوس كثيرين.

عملياً دخلنا “العصر المصري الكبير”. عصرٌ تتصدّر فيه البلاد وأحداثها الواجهة الإعلامية. عصرٌ يبدأ من الانتخابات الرئاسية المقرّرة في 26 مارس /آذار المقبل، التي ستتيح للرئيس عبد الفتاح السيسي الحصول على ولاية ثانية. عصرٌ يمرّ بالمشاركة المصرية الأولى في كأس العالم لكرة القدم منذ عام 1990، في مونديال روسيا، بقيادة محمد صلاح. عصرٌ ينتهي بأكثر الملفات سخونة في تاريخ مصر: سدّ النهضة الإثيوبي.
وإذا كانت الانتخابات الرئاسية ستكرّس ما هو معروف حتى إشعارٍ آخر، وإذا كان جلّ أهداف المشاركة الكروية في كأس العالم هو العبور إلى الدور الثاني، فإن قضية سدّ النهضة، ومتفرّعاتها الثانوية من خلافاتٍ حدودية بين مصر والسودان من جهة، وبين السودان وإريتريا من جهة أخرى، تشي بحراكٍ كبيرٍ وميداني، قد يؤدي إلى وقوع الجدار على رؤوس كثيرين. لم يعد الحلّ العسكري في تلك البقعة من أفريقيا مجرد “وهم”، بل “خياراً مطروحاً” ولو ثانوياً، غير أن مجرّد التفكير فيه أو التلويح به يعني أن غرف القرار في الخرطوم والقاهرة وأديس أبابا وأسمرة بدأت تطرحه على الطاولة، بديلاً عن أي مفاوضات فاشلة في “إنهاء ملف المياه بأقلّ ضرر ممكن”. ففي حال نجحت في إتمام العمل في سدّ النهضة الذي يحصر جزءاً كبيراً من المياه الرافدة لنهر النيل، تُصبح أثيوبيا المتحكّمة بالقرار المائي في السودان ومصر. وبدلاً من حلّ الإشكالية بصورة قانونية وفقاً للقوانين الدولية، انخرط الجميع في صراع صامت، صراع تنقلت فيه المصالح بين الدول الثلاث، إلى أن حُسم الأمر بوجود إثيوبيا والسودان في مقابل مصر. و”الصراع الصامت” بدأ بالتحوّل إلى اصطفافات إقليمية. باتت إريتريا في صفّ مصر، وتم ترسيخ التحالف بزيارة الرئيس الإريتري، أسياس أفورقي، إلى القاهرة الثلاثاء الماضي، ووصول قوات مصرية مع أسلحة حديثة وآليات نقل عسكرية وسيارات دفع رباعي إلى قاعدة ساوا العسكرية في إريتريا. والقاعدة الواقعة في إقليم القاش بركا المحاذية لإقليم كسلا في السودان هي المقرّ الرئيسي لتدريب جنود الخدمة الوطنية في إريتريا.
في المقابل، تطوّر ملف حلايب وشلاتين، بين القاهرة والخرطوم، واتهمت الأخيرة الأولى بـ”دعم مجموعات مسلّحة”، لا بل خرج الرئيس السوداني، عمر البشير، الخميس الماضي، في منطقة سنجة، في ولاية سنار، قائلاً إن “قوات بلاده مستعدة لصدِّ عدوان المتربصين والمتآمرين والمتمردين”، مردّداً شعار: “جاهزين جاهزين لحماية الدين”. وهو شعار قديم رُفع عقب وصول البشير إلى الحكم، عام 1989. مع العلم أن الرئيس السوداني كان يرتدي بزته العسكرية خلال خطابه، ومطالباً بإحياء ما وصفها “فضيلة الجهاد”.
أما إثيوبيا التي تعاني أساساً من خلافاتها الإثنية الداخلية، بين أثنيات أورومو وأمهرة والتيغرية، فضلاً عن خلافاتها الحدودية مع الصومال في شأن إقليم أوغادين، فقد عرفت حرباً خاطفة في يونيو/ حزيران 2016 بينها وبين إريتريا، كما شهدت احتجاجات داخلية في أوقات متفرقة من عامي 2015 و2016. تدرك أديس أبابا أن الحلّ المائي بالنسبة لها يشيح شبح المجاعة التي شهدتها البلاد بين 1983و1985، وأدت إلى مقتل أكثر من 400 ألف شخص، وبالتالي “لا حلّ لها سوى مواصلة الطريق نحو إكمال العمل في سدّ النهضة”.
مع ذلك، من المبكر هرولة الجميع إلى ساحات القتال حالياً، إلا أن الحديث عن “دعم المجموعات المسلّحة والمتمرّدة” في كلٍّ من السودان وإثيوبيا، وعن تسارع التعاون العسكري بين مصر وإريتريا، يشيان بنمط جديد من التعاطي الإعلامي، بموازاة تراجع اللقاءات الثنائية والثلاثية السياسية بين مصر والسودان وإثيوبيا. ولا يهدّد هذا النمط فقط استقرار بلاد النيل، بل أيضاً حركة الملاحة في البحر الأحمر، مع ما يعنيه ذلك من ارتفاع أسعار النفط وانعكاسه السلبي على الدول المعنية في هذا الصراع، ودول الجوار من باكستان إلى المغرب.