يواجه خالد علي وأنصاره السلطة في مصر بشجاعة، ويواجهون أيضاً شلالاً من الآراء التطهرية والهجومية التي اعتبرت الانتخابات الرئاسية ستسمح “بإضفاء شرعية دولية على النظام”، وكأن عبد الفتاح السيسي تنقصه شريعة داخلية، أو خارجية.

قبل أن يظهر في مصر المرشح الرئاسي، خالد علي، ليعلن رده النهائي على إعلان الهيئة الوطنية للانتخابات جدولاً زمنياً ضيقاً، كانت كل التوقعات تنحصر بين انسحابه أو إعلانه الاستمرار، لكن أحدا لم يتوقع أن يكسر السقف بقفزةٍ إلى الأمام. طالب علي مؤيديه بخوض “معركةٍ صعبة” لجمع التوكيلات، وتقديمها في يوم ذكرى الثورة في سلسلةٍ بشريةٍ “ترفع صور شهداء هذا الوطن، والمختفين قسرياً، والمعتقلين ظلماً”.
أياً كان تقييم الخطوة، من الإيجابي للغاية أنها تنتقل بالمعارضة إلى خانة الفعل، والخروج عن السيناريوهات المتوقعة والمُحددة مساحاتها سلفاً من السلطة. ما فعله خالد علي عملياً هو مزج العمل السياسي بعمل الشارع، استخدم الحملة غطاءً سياسياً لتوصيل رسالته في أكثر الأيام ازدحاماً بوسائل الإعلام المحلية والعالمية. وهو يظل تصعيداً محسوباً فلم يدعُ إلى مظاهرة أو مسيرة، لكنه ليس تصعيداً هيناً في الوقت نفسه، خصوصا إذا وضعنا في الاعتبار أن المقر موجود في شارع القصر العيني على بعد خطوات من ميدان التحرير.
في هذا الخطاب، غير خالد علي من جمهوره المستهدف. في خطاب ترشّحه الأول كان يوجه خطابه إلى كل المصريين، ولم تُذكر ثورة يناير إلا مرة واحدة فقط، وحافظ على وضع إشارات طمأنةٍ مثل “مواجهة أمنية وسياسية وفكرية فعالة مع خطر الإرهاب لا تمس حريات المواطنين ولا أمنهم”. لكنه في خطابه الأخير كان يوجه خطابه بشكل خاص إلى “أبناء يناير” الذين دعاهم إلى عمل التوكيلات له، وتحدث عن الثورة مراراً. “مهما تهكمتم على يناير، فاعلموا أن ثورة يناير ليست يتيمة، بل لها ملايين الأبناء في كل أرجاء مصر، فهي عزتنا وكرامتنا، وأشرف محاولاتنا من أجل هذا الوطن”.
من الواضح أن هذا التحول التصعيدي جاء رداً على قرارات الهيئة الوطنية، والتي خرج خالد، للمرة الأولى، عن سلوكه القانوني المتحفظ نحو أمثالها من الجهات ذات الصفة القضائية، ليستخدم تعبيراً مثل “إذا كانت هذه الهيئة جادة في القيام بوظيفتها”، في معرض مطالبته برفع كل دعاية عبد الفتاح السيسي من الميادين خلال 48 ساعة، ما دامت الفترة القانونية للدعاية لم تبدأ.
ومن الواضح أيضاً أنه قرّر، في هذه المرحلة الخاصة بجمع التوكيلات، استنفار حماسة جمهوره الأًصلي، لأن هؤلاء هم فقط من سيعملون تنظيمياً على جمع التوكيلات، بكل ما في ذلك من تفاصيل وجهود، وقد نجح بذلك بالفعل، فقد شهدنا ظاهرة واسعة ممن غيروا موقفهم من المقاطعة إلى المشاركة بعد الخطاب، ولو ليقولوا: نحن هنا. نحن أبناء يناير لم نمت، وما زال بإمكاننا التحرّك.
لكنه، في مقابل هذا المكسب، خسر سياسياً قطاعات شعبية محافظة، أو في مؤسسات الدولة، كانت تنتظر مرشحاً أكثر إصلاحية، هم لا يفضلون السيسي، لكن بديلهم لن يكون من يغازلهم بذكريات ثورةٍ لم يؤمنوا بها، أو على الأقل يعتبرون أن زمانها انقضى. لذلك أتمنى أن يعود خالد، بعد مرحلة التوكيلات، للتركيز على تقديم نفسه “رجل الدولة” وليس الثائر الدائم، رجل المستقبل لا الماضي، ويتزايد ذلك كلما نقترب من يوم التصويت.
كما أن الدعوة إلى أسلوب السلسلة البشرية تحمل أيضاً مخاطرة ميدانية، فقد يتعرّض الشباب لسيناريوهات الهجوم الأمني، لكن يبقى أنه لا يعرّضهم للخطر من بعيد، بل سيكون وسطهم، ومحاولاً توفير الغطاء السياسي الأكثر أمناً، بدعوته رموز حملة “مصر مش للبيع”، علماً أنه شخصياً مازال مهدّداً بسيف قضية “الفعل الفاضح” الهزلية.
وكما يواجه خالد وأنصاره السلطة بشجاعة، فإنهم يواجهون أيضاً شلالاً من الآراء التطهرية والهجومية التي اعتبرت الانتخابات ستسمح “بإضفاء شرعية دولية على النظام“، وكأن السيسي  تنقصه شريعة داخلية، أو خارجية، بينما هو يستقبل رؤساء العالم، ويستقبله كل رؤساء العالم.
الخلاصة أن ما فعله خالد علي هو البداية الحقيقية للانتخابات الرئاسية في مصر، لا بوصفها تصويتاً لكن بوصفها معركة. معركة انتزاع لا منح، وضغط لا مطالب، ومكاسب من العملية نفسها لا تقل أهميةً عن مكاسب الصندوق.