ربما يظهر للوهلة الأولى من خلال العنوان أني سوف أتناول موضوع المسجد انطلاقًا من الممكن باعتباره بيتًا لله أولًا والذي تبلورت فيه الكثير من المعاني والمفاهيم في صدر الإسلام مع المصطفى عليه الصلاة والسلام مثل الشورى والعدل والكرامة والعزة «وقول كلمة الحق»، وليس من الكائن أي الواقع والدور الذي يلعبه المسجد فيه على مستوى وطني – المغرب – خاصة وأوطاني – الأمة الإسلامية – عامة، لا ليس هذا قصدي ولا تلك بنيتي فقد كتب في هذا علماء كثر، إلا أنني هنا أحاول التحدث عن الدور الفعلي الذي يلعبه المسجد تحت ظل دولة مستبدة كالمغرب، ومما لا شك فيه أن هذه الحال في كل قُطْر من أقطار عالمنا العربي المسلم، وهنا منطلقي سيكون من الواقع إلى المفروض وليس العكس، أي من المفروض إلى الواقع، بتسليط الدور على ممارسة الدولة المخزية تجاه بيوت الله هل هي ممارسة توقير أم توظيف؟ وذلك بالوقوف على العديد من النماذج والأحداث التي وقعت وتقع دائمًا في المغرب، لكن قبلها سأحاول القفز إلى الماضي البعيد وبالتحديد في السنين الأولى من ميلاد الإسلام.

ما بين الخلافة الراشدة والحكم الأموي

1- لا سمع ولا طاعة

وقف عمر بن الخطاب يومًا خطيبًا على الناس قائلًا «أيها الناس اسمعوا وأطيعوا»، فقام له سلمان الفارسي يقول: «لا سمع لك اليوم علينا ولا طاعة»، تأمل معي عزيزي القارئ في رد الصحابي الجليل سلمان الفارسي على عمر بن الخطاب وهو «أمير المؤمنين» وحاول الرجوع معي إلى الحاضر لتسقط عليه هذا المشهد لكن بأطراف مختلفة أي ملك من الملوك أو رئيس من الرؤساء يخطب وراعٍ من الرعية يعترض؟ كيف يا ترى نهاية الأخير وردة فعل الأول؟ حسنًا فلنعد ولنتطلع إلى رد أمير المؤمنين على سلمان، لقد رد بهدوء بـ«ولم؟» ليجيبه سلمان «حتى تبين لنا من أين لك هذا البرد الذي ائتزرت به، وقد نالك برد واحد كبقية المسلمين، وأنت رجل طوال لا يكفيك برد واحد»، إن من هذا الجواب نعلم كيف كان المسجد آنذاك منصة لقول كلمة الحق ومساءلة الحاكم وغير ذلك كيف لا وهم الذين تشربوا هذه المعاني على يد معلم البشرية محمد صلى الله عليه وسلم؟ وهذا ما يؤكده رد الخليفة بقوله: «يا عبد الله بن عمر»، قال لبيك، يا أمير المؤمنين، قال: «نشدتك الله، هذا البرد الذي ائتزرت به، أهو بردك؟» قال: «نعم»، والتفت إلى المسلمين فقال: «إن أبي قد ناله برد واحد كما نال بقية المسلمين وهو رجل طوال لا يكفيه برد واحد، فأعطيته بردي ليأتزر به». فقال سلمان: «الآن مر، نسمع ونطع».

2- واتخذوا لعنه على المنابر سنّة

لكن ما الذي وقع وكيف انحرف الدور الفعلي للمسجد فتحول من مكان لقول الحق والعمل بمقتضاه إلى العكس بتدعيم ركائز الباطل ومعاداة الحق؟ إن هذا الانحراف الذي نجد بوادره الأولى المُشَكِّلة له بتأثره بالانحراف الذي شهده العالم الإسلامي آنذاك أو ما يطلق عليه الإمام عبد السلام ياسين «الانكسار التاريخي» وهو انقسام الأمة إلى ملل ونحل بعد قتل سيدنا عثمان وخروج معاوية على خليفة المسلمين الشرعي علي بن أبي طالب وبصفة عامة يمكن أن نقول إن تحول نظام الحكم من خلافة أساسها الشورى إلى ملك يقوم على التوريث قد أثّر بشكل كبير على دور المسجد الفعلي وأدى إلى انحرافه عن هذا الدور، ويمكن أن نقف على نموذج المسجد من داخل الدولة الأموية فعلى سبيل المثال لا الحصر يقول ابن حجر في (فتح الباري) «ثم اشتد الخطب فتنقصّوه واتخذوا لعنه على المنابر سنّة، ووافقتهم الخوارج على بغضه». وهنا يتكلم عن مسألة سب ولعن حبيب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورابع الخلفاء الراشدين علي بن أبي طالب، يقول الزمخشري في كتابه (ربيع الأبرار): «إنه كان في أيام بني أمية أكثر من سبعين ألف منبر يلعن عليها علي بن أبي طالب بما سنّه لهم معاوية في ذلك»، ونختم بـ«إصدار الأوامر من معاوية لرعيته بأن يسبوا أمير المؤمنين عليًّا (عليه السلام)» إن من يتأمل هذه الحقائق وغيرها التي في أيدينا لَيستنتج وللوهلة الأولى من سبق لاحِقيه في توظيف منابر رسول الله في التصفية السياسية وضرب المعارضين والخصماء السياسيين، اللَّهم إن كان هذا المعارض وهذا الخصم من وزن وحجم علي كرم الله وجهه ورضي عنه.

ما بين تدنيس وتدنيس

هنا سأحاول تسليط الضوء على مسألة الكيل بالمكيالين التي نهجتها الدولة تجاه مسألة المساجد بالتطرق أولًا إلى نموذج «ناصر الزفزافي» هذا النموذج المعبر عن «ادعاء» الدولة دفاعها عن حرمة مساجد الله وبعدها إلى ثلاثة نماذج تضرب في هذا الادعاء وهي «خطبة الجمعة في الحي الجامعي» ثم قضية «اعتكاف رمضان في المسجد» وأخيرًا بـ «إعفاء الأئمة» وهذه نماذج من كثير في مغربنا الحبيب وربما أمتنا الإسلامية عامة.

1- ناصر الزفزافي «ولا للفتنة»

شهد المغرب السنة الماضية احتجاجًا على مستوى منطقة الريف نظرًا للأوضاع المزرية التي تعشعش هناك خاصة بعد مقتل محسن فكري في صورة معبرة عن قيمة المواطن المغربي عند الدولة، وخرج أبناء الريف في مسيرات سلمية حضارية عبروا من خلالها على مطالبهم العادلة والمشروعة، وبعد أشهر من عمر الحراك واستنفاد الدولة كل أوراقها الكبيرة قامت وكعادتها بتوظيف ورقة الخطاب الديني للتصدي لهذا المدّ الجماهيري القائل لكلمة الحق كما سلمان الفارسي والصحابة، فعممت خطب الجمعة المليئة بمفاهيم من قبيل الفتنة وأعداء الوطن وغير ذلك من ألوان التخوين والأحكام على أحرار الريف، الأمر الذي دفع ناصر الزفزافي – أحد قياديي الحراك – إلى عمل توضيح داخل المسجد بعد إنهاء الخطيب لخطبته وصلاة الناس، الأمر الذي أعطى الحجة لدولة المخزن لاعتقاله بتهمة انتهاك حرمة المسجد وفتح باب الاعتقالات على غيره من المحتجين، نرى من خلال هذا الأمر كيف للنظام المستبد توظيف المسجد/ الخطاب الديني من أجل مصالحه وتدعيم ركائزه وضرب أي حراك اجتماعي جماهيري طبيعي تجاه الأوضاع التي يعيشها وطني الجريح في ظل هذا النظام المستبد القائم.

2- اعتكاف رمضان في المسجد

لما كان شهر رمضان شهر مغفرة ورحمة وعتق من النار، يشرع ثلة من أبناء وطني إلى الإقبال على الله طمعًا في عفوه ورضاه وذلك بالدخول في اعتكاف العشر الأواخر من الشهر في المساجد كل سنة، الأمر الذي لا تسمح به الدولة فتعمل بيد من حديد وبواسطة عسكرها وشرطها على حصار المعتكفين وإخراجهم من المساجد بالقوة والإكراه ضاربة بذلك الشعار الذي ترفعه «احترام حرمة المساجد» لتكون هي أول من يدنس هذه المساجد بأقدامها وعصيها وقال تعالى «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ».

3- خطبة الجمعة في الحي الجامعي

من النماذج الشاهدة على تدنيس الدولة للمساجد مع قضية توظيفها واحتكارها للخطاب الديني هو دخول المخزن إلى الحي الجامعي بفاس سايس من أجل منع خطبة الجمعة بمسجد الحي هناك، حيث دخل بجيش عرمرم مدجج بالعصي والأحذية الغليظة السوداء فدنسوا حرمة المسجد أولًا، والحرم الجامعي ثانيًا، فقط لأن الخطبة وموضوعها لا يخضع لإملاءات الأوقاف فهي من اجتهادات الطلبة من داخل الحي.

4- إعفاء الأئمة

ولكن مهلًا، ألا يوجد علماء أئمة لا يخشون من قول الحق في الله لومة لائم؟ لماذا هذا الهجوم على بيت الله بالشكل الفضفاض والمعمم يا هذا؟ صحيح أن من مثل هذه الأسئلة تعد من الأسئلة المشروعة لكي تطرح، ولعلي أبدأ بالإجابة عن آخر سؤال بحكم أن الأول له علاقة بالعنوان أي مسألة «إعفاء الأئمة»، وأذكر أني هنا لا أتكلم انطلاقًا من الممكن أي من الدور الحقيقي للمسجد وإنما من الكائن أي دور المسجد تحت ظل مرحلة الحكم الجبري كما أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأحاول وصف دور المسجد في وطني انطلاقًا من الخط العام والوضع السائد بحكم تبعيتها لوزارة الأوقاف ولملاءاتها – وعلاقة الأوقاف مع الداخلية علاقة حميمة – ولا أنكر وجود أئمة فضلاء وذوي مروءة ومبادئ إلا أنهم إما يتدبدون على الجهر بالحق فيكون خطابهم عامًا بين مد وجزر – انطلاقًا من مستوى وعي المقدم – وإما يقولون كلمة الحق فيكون مصيرهم الإعفاء، ففي المغرب يعفى العشرات من الأئمة سنويًا بسبب هذا الأمر وبسبب انتمائهم السياسي، أي انتمائهم مثلًا وغالبًا لجماعة العدل والإحسان الإسلامية المعروفة بموقفها من النظام المخزني.

من كل هذا، غاب – أو غيب – دور المسجد الفعلي في التذكير بقضايا الأمة «ومن لم يهتم للمسلمين فليس منهم» والوقوف على المبادئ الحقة التي أتى بها الدين مثل مفهومي العدل والإحسان، لأنه فِي وطني يُكذبُ على منبر رسول الله على الله والتاريخِ والشعب، وتكرُّر هذا الأمر من خطبة إلى خطبة جعلني أفقدُ معنى حضوري في بيتِ الله في ذاك الوقتِ بالتحديد، لقد تحول الأمر من عبادةٍ إلى عادة، ومن الأخيرة إلى طقسٍ من الطقوس المُجرَّدة من ما هُو روحي، وكأنها وظيفة روتينية. جسدي حاضرٌ هناك لكن عقلي وروحي تطير في صفحات التاريخِ في تلك اللحظة لتُقوِّم اعوجاج معطياتِ عميل النِّظام!