منذ ظهور مصطلح الدولة كمصطلح سياسي متعارف عليه بأنه «تجمع سياسي يؤسس كيانًا ذا اختصاص سيادي في نطاق إقليمي محدد، ويمارس السلطة عبر منظومة من المؤسسات الدائمة، بالإضافة إلى السيادة والاعتراف بهذه الدولة بما يكسبها الشخصية القانونية الدولية»  أي أن في ذلك تمكين لممارسة اختصاصات  قائمة على أركان وأسس تقام، هذا بحد ذاته جعل أغلب الشعوب تتماشى بالعمل معه إلى أن توصل إلى إجماع يراهن على نجاح العمل فيه حينها ظهرت كل النظريات والفلسفات المسنودة إلى أشخاص لتجعل لهذا المصطلح بنية واضحة ومبادئ يسهل التعامل معها عند أبسط الشعوب من خلال وضع الإطار العلمي والنظري بحيث يعتمد كفصل أو قسم – إن صح التعبير – يُدرس في علوم السياسة ومبادئ الحكم في أية دولة.

رغم هذا التنظيم والتوصيف الدقيق ظلت المسألة فيها نوع من عدم الفَهم أو الالتباس وخاصة وإن هناك دول اليوم لم يعرف تاريخ إقامتها أو نشأتها كدولة بل قامت  عبر جهود وتطلعات أشخاص اجتهدوا في نضالاتهم مع تقديم نوع من التضحيات دون ذكر ثورة أو انتفاضة جماهيرية تذكر.

في الأصل هي لا تعرف مراحل قيام دولة حقيقية ولدت من رحم المعاناة والثورات لذا ظهر هناك عدم تفريق بين دولة ودولة أخرى من ناحية الخلط بين الأنظمة المعمول بها وهذا ما أدى إلى عدم فرز لطبيعة كل دولة قامت وكيف؟ حيث وإن هناك كثيرًا من الدول قامت نتيجة تعصب قبلي واستحواذ شجع قائد مؤهل يؤمن بأحقية الحكم والسلطة والتوريث له ليكن واجهة لممارسة دستور الحكم حسب ما تقتضيه مصالحه ومصالح من يوالونه، ولو كان أتى من غير رأي واستفتاء الشعب هو فقط ترسيخ لمبادئ بسيطة وأعراف أمام أعراف وتقاليد دولية هشة أي استقلال لدولة بدائية مثلًا جاء بها أصحابها من  توافق لفئات اختارت أشخاصًا وجعلت منها دولة لها قوانينها وسياستها دون أن يكون لها صلة بأصول النظريات وأسسها المتعارف عليها في أنظمة الحكم والتاريخ السياسي، وهذا ما حدث في نظام الحكم الذي لا يؤمن بالديمقراطية وتبادل السلطة وفق انتخابات حرة ونزيهة.

حتى لا نخرج عن مسار موضوعنا الرئيس في عنوان المقالة لنأخذ اليمن دولة تأسست بفعل ثورات حقيقية صارت منذ زمن، وهي كأي دولة في العالم مرت بمراحل بدأً من بناء واعتراف نتيجة للاستقلال، وأخذت حقها وكثير من المعاناة والحروب والاحتلال على مراحل، حتى بزوغ عهد جديد وفجر الجمهورية وإلى الآن مرت بمراحل عصيبة ولم تحظ بالاعتراف كدولة لها سيادتها وكيانها المستقل إلا بعد أن تحررت من كل القوى المهيمنة على أراضيها حتى قيام النظام الجمهوري الذي نحن الآن في ظله.

لم يكن ذلك التغير شفيعًا لرؤية نور التغير والتجديد، فالصراعات كانت قائمة والحروب هي الأخرى دائرة في كل مدنه وقراه وإلى يومنا هذا، ولم يشعر حينها أحد بأن سنة الحياة هي التغير، بل ظل الكل مكابرًا ومعتبرًا أن مرحلة التغير فيها مساس سيئ على مصالحه ومنصبه وهذا الظن هو من جعل رجل الدولة أو صاحب منصب ما رهان تفكير عقيم لا يؤمن بأن التغير سنة كونية ويجب أن يتم.

لم يدرك أحد من تلك القوى إن الوصول إلى نظام جمهوري لم يأت بمحض الصدفة، وإن هناك صراعًا دام لسنوات وذهب عدد غفير من ثوار وأحرار وضباط فدائيين قدموا أرواحهم شهداء من أجل السيادة والاستقلال والحرية والكرامة الإنسانية، وإذا رجعنا قليلًا لقراءة أول صفحات بداية تاريخ اليمن المعاصر بلا شك سنلاحظ مدى العناء والأتعاب التي عاش وتعايش معها مواطنو اليمن في ظل حكم الإمامة والهيمنة وما ترتب على تلك المرحلة من تخلف وجهل ومرض وبطالة.

كانت فترة الحكم الإمامي ممثلةً بالإمام يحيى بن حميد الدين في الشمال آنذاك بداية لإحياء روح التغير والخروج من طاعة الحاكم الأشر، وكهدف رئيس لدخول الأحرار مرحلة الكفاح المسلح ضد حكمه الكهنوتي حتى إسقاطه سنة 1948م من القرن الماضي ليتولى بعده زمام الحكم ابنه الإمام أحمد بن يحيى وهو كان الأكثر وأدهى حكام العرب إبان فترة حكومة لليمن بالحديد والنار انتقامًا من شعبه الذين كانوا حينها رعية وليس شعبًا.

كان الأشد تآمرًا من أجل القضاء على مشروع التحديث والتنوير الذي كان يخطط له في ذاك الوقت من قبل مجموعة من الأحرار الذين سطرهم التاريخ فيما بعد، حتى لقي ذلك المشروع إجهاضًا فادحًا خفف من حماسة المقاومة وخاصة قد كان الإمام صنع من القبيلة الإقطاعية مركزًا لبسط نفوذه في كل مناطق الشمال، حيث كان يتخذ سياسة الرهائن هدفًا لكسب الولاء وتخويف بعض أبناء القبائل في حال إن نقضوا العهد معه، فهذا زاد من تزايد الخطر والمؤامرة القادمة لهدم وتغييب ذلك المشروع الثوري الحماسي الذي كان الغرض منه القضاء على حكمه وإقامة الحكم الجمهوري في البلاد، وما أن بدأ التخطيط الجدي للخلاص منه حتى لقي مصرعه على يد الثوار في 19 سبتمبر عام 1962م.

وبولاء رجال القبائل لولي عهد حكمه محمد الملكي والدعم السخي الذي تلقاه من جهات خارجية  عانى كثيرون من القادة الأحرار في تعجيل عملية التغير حتى وصولهم إلى مرحلة مفصلية لخوض المعركة، وكانت الانطلاقة بقيادة الرئيس عبدالله السلال حين انقلب على الإمام محمد البدر وإعلان الجمهورية في اليمن والملحمة الكبرى للتمرد على طغيانه وعبثه وفيده، والذي تحقق بقيام ثورة 26 من سبتمبر المباركة في سنة 1962م على يد قيادة طلائع ضباط أحرار نجحوا في تحقيق النصر بعد جهد مضن ودؤوب للتخطيط والتنفيذ حتى النصر وبدعم جبار من الزعيم جمال عبدالناصر حين أرسل أكتر من 70.000 جندي مصري والتي فيها تم القضاء على حكم الإمام وإسقاط عرشه الملكي واستبداله بالنظام الجمهوري الديمقراطي مع رفع علم الجمهورية العربية اليمنية في كل مناطق يمن الشمال آنذاك، رغم محاولات يائسة قام بها الإمام البدر لاسترجاع مسار ونهج أبيه بعمل الثورة المضادة إلا إنه لم يستطيع فتم القضاء على كل محاولاته البائسة بحزم وبسالة نظرًا لما كان يتمتع به آنذاك كثير من أبناء الشعب بنوع من التنوير والتعطش للعيش على جغرافية وطن يقام على حرية ومساواة وعدالة اجتماعية متساوية يحكمها النظام والقانون المنبثق من رحم الكفاح والنضال وتضحيات أبناء الوطن.

بعد ذلك التغير التاريخي، والتتويج والفرح الجماهيري في كل بقاع أرض الشمال كان الجنوب مع موعد آخر من تسجيل انتصار جديد يضاف لليمنيين انتفاضة وثورة 14 من أكتوبر المجيدة والتي جاء بها جماعة كبيرة من النضاليين والفدائيين الأحرار بقيادة راجح بن غالب لبوزه الذي استشهد في مغيب شمس الفجر الأول للثورة بعد أن شنت قوات الاستعمار أعنف غارتها الجوية على جبال ردفان ومناطق مأهولة بالسكان حينها ترتكبت أبشع مجازرها ضد الإنسانية تحت سياسة «الأرض المحروقة».

رغم كل هذا العنف والتصدي واجه الثوار الأحرار العنف بالعنف وكان نواة الانطلاقة من جبال ردفان، وبمساعدة من أبناء الجنوب لتحرير الأرض من بطش وعنصرية الاستعمار البريطاني الذي مارس أبشع جرائمة وتميزه العنصري بحق أبناء الأرض والسيادة لفترة تجاوزت مائة وعشرين عامًا حتى توالت الأحداث بيسرها وعسرها إلى أن جاء 30 من نوفمبر 1967م وفيه كان إجلاء آخر جندي بريطاني من جنوب اليمن وإعلان الاستقلال على لسان وزير الخارجية البريطانية جورج براون.

بعد كل هذا واستكمالًا لمسار ومشروع التغير الذي أوصت به أهداف الثورات السامية ودخول الوطن إلى مرحلة البناء والتجديد تحت ظلال قادة يشترط أن يأتوا عبر الانتخابات التشريعية في قطبيه الشمالي والجنوبي كلًا تحت قيادته كدولتين لكل منها سيادة ونظام يحكمها – قبل حدوث الوحدة بين الشطرين – التي كانت قائمة على المنافسة الحرة والنزيهة ليكتمل الحلم بعد التحرير ويستمر شعب الجنوب والشمال كدولتين مستقلتين إلى عام 1990م.

بعد استتاب الوضع ودخول الشمال والجنوب في إطار حكم الديمقراطية والتعدد الحزبي ونظام فيه القانون والدستور هو الحكم والفيصل بين القضايا خصصت هذه التواريخ أيام ناصعة يحتفل بها كل اليمنيين، إلى أن جاء ذلك العام الذهبي آنذاك ليكون – حسب تعبير البعض – عام بناء دولة قائمة على مبادئ الشراكة الصادقة والتوافق الخالص بين شعب الشمال وشعب الجنوب  العام 1990م نهاية العقد للقرن العشرين وتحديدًا في 22 من مايو وهو ما سمي بعد ذلك بعام الوحدة اليمنية التي جمعت وعملت على لملمة شعبين واللذين كانا يعرفان بشعب الجمهورية العربية اليمنية بالشمال، وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في الجنوب لتصبح بعد ذلك دولة موحدة تحت مسمى الجمهورية اليمنية وإلى الآن، بهذا المنجز تفاءل الكثير من المواطنين بقطريهم المتحد بأن تكون هناك مرحلة جديدة لصناعة تغير رام لبناء وتأسيس وطن مزدهر ومتحضر لا يعرف عن المناطقية والمذهبية والسلالية شيئًا، وطن المؤسسات والنهضة والرقي والتقدم في كافة المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والصحية والتعليمية.

استمرت الشراكة قائمة بكل توافق، ونظرًا للفهم الخاطئ والأعوج لمبدأ الشراكة الوطنية الحقة، وعدم تقبل الطرف الآخر كشريك فعلي لبناء خطة الوطن ودفعه نحو طريق التقدم والازدهار حدثت الكارثة التاريخية السوداء التي نسفت كل هذا التوافق وآمال وطموحات الشعبين المتحدين ليرجع الحال إلى مرحلة الصفر، وبحجم هذه الانتكاسة – التي لا يغفر على مهندسها – نشبت الحرب الدامية بين قوات الشمال والجنوب وهو ما أطلق عليها بحرب صيف 94 والتي كانت بمثابة القضاء والفض لتلك الشراكة التي تم الاتفاق والتوقيع عليها في المدينة عدن بين الرئيسين آنذاك علي سالم البيض للجنوب، وعلي صالح للشمال، ولا يخفى أنها كانت حربًا عبثية بامتياز فعلها قضى على كل صفات الود والإخاء بين شعبين أرادا سويًا التوحد معًا لكي تستكمل المرحلة وتخرج إلى ضفة فيها يختبئ أمل الغد المشرق والنهضة والحضارة الجمعية للشعبين الموحدين.

بفعل تسلسل الأحداث بعد تلك الحرب الظالمة، مر الوطن بمنعطفات خطيرة تفادى أغلبها وخاصة إن الحياة في ظل المرحلة قد حملت لغة المقت والرفض المتعايش من قبل الأطراف المتأثرة من حرب شرسة دمرت كل شيء كان يبدو جميلًا، ونظرًا لذاك الاقتتال الفادح خلطت الأوراق وقام الآخر بفرز نصيبه منها ليخرج مطالبًا بعدها بفك الارتباط والرجوع إلى ما قبل عام تسعين عبر إعلان قيادته الحراك الجنوبي السلمي عام 2007م لتكون أول انتفاضة جابت الشارع بعد قيام الوحدة أن لم يكن هناك قبلة كان لهذا الحراك أن يشق طريقه لعله يصل بصوته وهدفه إلى نطاق واسع عبر المظاهرات والندوات واللقاءات الموسعة إلى أن جاءت ثورة المطالب في 11 من فبراير من العام 2011م بقيادة ومشاركة كل أبناء الوطن من مختلف التكتلات والأطياف والانتماءات الحزبية والطائفية، والتي كانت ركيزة لبدء الاستبشار بحياة ربما تكون أكثر رفاهية واستقرارًا.

لكن على ما يبدو تظل الأماني حبيسة التحقيق وحلمًا مؤجلًا إن لم يكن هناك سد لكل بؤر التخريب، وتحقيقها بالصورة المطلوبة والهدف كان يحتاج للوقوف وهلة مع خيال واسع من التفكير والذي ربما قد يكون كفيلًا ليوهم الذات بجزء من تحقيق المطلب حتى ولو بعد زمن انتطار.

كانت بمثابة الغلطة الكبرى واللعنة المقيتة التي ألحقت بنا كيمنيين نحاول أن نصنع مجدًا من ثورة أخرى، ومحبين للتغير ومطالبين بأمل تحقيقه لنكتشف بعد إنها خدعة أخذت منا أكثر من ما أعطتنا، ولم يحقق من أهدافها سوى انتكاسة ما زال شبحها يطاردنا في كل تفاصيل حياتنا.

واليوم ونحن على ماض قصير من قيامها نعايش أبشع أيام الحياة ونتنعم بأردأ  الأمال التي كافحنا ونلضلنا من أجلها، وكأنها تطبيع لكل إنسان حر أراد يومًا أن يقول أريد وطنًا.. أريد حرية.. أريد مساواة.. هذا هو أقل واجب تكافئ به الثورة المرحلة ثوارها بفعل توافق ويقال أنه وطني دمر كينونة الهدف والتغير معًا ليخرج لنا بعد بحوار وطني شامل لم أطراف كثر على محراب فندق موفينبيك في العاصمة صنعاء، والذي إلى الآن ونتائج توافقه ما زالت حبيسة الأدارج ومحل رفض لدى الجميع من المفترض والحاجة القصوى اليوم تخرج لحيز التنفيذ لتعتق شعب غفير بحجم اليمن.

بسبب نتائجه المغلوطة، وعدم جدية المتحاورين كان اليمن مع حرب مرتقبة قضت على كل صغيرة وكبيرة وكانت الحرب الأكثر دموية في تاريخ اليمن المعاصر. هكذا ربما يبدو عهد الثورات حين تنحرف عن هدفها وينسى تضحيات من قدموا أرواحهم رخيصة في سبيل الوطن وعزته وسيادته.

فقط الندم اليوم على التفريط بجوهرها هو أقل جزاء لنا مع وقفة أطلال نندب بها حظنا التعيس ونحصي فيه أوجاعنا وحسارتنا من كل هذا العبث الذي ولد بعد… وإلى هذا لنا أمل بفجر جديد يعيد بنا إلى حيث حلم الدولة التي جاءت بها تلك الثورات الاستثنائية والتي كانت بمثابة حلم أبدي لملم أوجاع اليمنيين آنذاك وصار حقيقة عايش تفاصليه بعز وكرامة وحرية بعد قيامها بفترات متقاربة إلى أن ولى زمن زخمها وحل العنف والتغيب بدلها وصارت الحرب وغيب كل هدف من أهدافها.