جاء في العديد من المقالات، التي نشرها المفكرون الاستراتيجيون الغربيون؛ أمثال «برنارد لويس، وصامويل هنتنجتون، وبري بوزان، والجنرال المتقاعد رالف بيترز»، مقولة اشتهرت في وسائل الإعلام الغربية والعربية؛ وهي ما يصطلح عليه بـ«الفوضى الخلاقة».

الفوضى التي نتج عنها انهيار نظام الرئيس «صدام حسين» في العراق؛ وحل معه الاحتلال الأمريكي، بعد هذا الاحتلال خرج الأمر عن السيطرة، وأصبح العراق يعيش في فوضى، لم تستطع الولايات المتحدة الأمريكية، وحلفاؤها السيطرة عليها، لا بالديمقراطية ولا بالديكتاتورية، وفشلت في جعل العراق نموذجًا يُحتذى به، في منطقة الشرق الأوسط، وشمال أفريقيا.

بعد مقولة «الفوضى الخلاقة» ظهر لنا مفهوم جديد «الشرق الأوسط الكبير»، الذي أُريد به أن يمتد جغرافيًّا من العراق وتركيا إلى اليمن والمغرب، مع دمج الكيان الصهيوني «إسرائيل» معه.

تبيّن وبوضوح أن مقولة «الشرق الأوسط الكبير» غير قابلة للتطبيق بدون إيران، وأزمة العراق، وتحفّظ دول الخليج وتركيا.

وبعد أن تبيّن فشل هذه المقولة، انتقلوا إلى مقولة أخرى وهي «الشرق الأوسط الجديد»؛ الذي سيكون بدون إيران، أو سيكون في مواجهة إيران، وهذا المشروع الآن جار تطبيقه على أرض الواقع، وسنحاول في الجزء التالي توضيح ذلك، ومحاولة قراءة ما وراء الأحداث التي يعيشها الشرق الأوسط الآن، وأيضًا محاولة فهم التغيرات السريعة، والمخيفة في المنطقة العربية.

قبل خمسة أو ستة أشهر من الآن، تم إعلان الحصار على دولة قطر، من طرف أربع دول في الشرق الأوسط وهم؛ «المملكة العربية السعودية، والإمارات، والبحرين، ومصر»، بدعوى أن النظام القطري يدعم الجماعات الإرهابية «الإخوان المسلمين، وحماس»، وتآمر مع إيران ضد دول الخليج، وتدخّل في الشئون الداخلية لبعض الدول، التي فرضت الحصار مثل «مصر، والبحرين»، وأيضًا كانت شبكة «الجزيرة» من بين الأسباب؛ لأنها في اعتقادهم تحاول إشعال الفتن في هذه الدول، بتقاريرها الفاضحة، لسياسات هذه الدول، واستضافتها للمعارضة، وإلى الآن لا يزال الحصار قائمًا على دولة قطر ظلمًا وعدوانًا.

بعد فرض الحصار على دولة قطر، تم مباشرة البدء في تغيير الخريطة السياسية في السعودية؛ حيث إن ولاية العهد أصبحت في يد «محمد بن سلمان» بدلًا من «محمد بن نايف»، بعد توليته رفع «محمد بن سلمان» شعار «محاربة الفساد»، وقد اعتقل العديد من الأمراء، ورجال الأعمال المتهمين بالفساد، كما جاء على لسان الديوان الملكي، وأيضًا تم إسكات الأصوات المعارضة «الدعاة والنشطاء السياسيين».

بعد هذا خرج الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب»، يدعو إلى إعلان القدس عاصمة لإسرائيل، وقرر نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وكان هذا بمباركة وتواطؤ الأنظمة العربية، التي دخلت ضمن هذه المقولة «الشرق الأوسط الجديد»، وهذا ما بينه الصحافي الأمريكي «مايكل وولف» في كتابه «نار وغضب» حيث قال «إن داخل بيت ترامب الأبيض، هذه الأحداث وغيرها، هي البداية الفعلية في تغيير الموازين في الشرق الأوسط».

في ظل هذه الأوضاع الراهنة، يتبين أن الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، بدأ يُطبق هذا المشروع، وما يحدث الآن في إيران من احتجاجات خير دليل على أن الغرب يحاول دس السم في طعام النظام الإيراني، ويحاول أن يجعل منه عدوًا للكل، وهكذا يخرج إيران من خريطة الشرق الأوسط، أو بالأحرى يخرج نظام ولاية الفقيه من إيران، ومن خريطة الشرق الأوسط الجديد؛ بالقضاء على حلفائه وبيادقه «حزب الله، ونظام الأسد، وجماعة الحوثيين».

الاحتجاجات في إيران في ظاهرها هي مجرد احتجاجات مشابهة للربيع العربي، والتي رفعت شعار «الكرامة، والحرية، والعدالة الاجتماعية»، أما في باطنها فهي احتجاجات ستؤدي بالضرورة إلى تغيير خريطة الشرق الأوسط، وتطبيق خطة الغرب التي نادى بها، وهي مقولته «الشرق الأوسط الجديد»، والذي سيكون بدون نظام ولاية الفقيه.