«كيف ينبغي أن نعيش؟» سؤال نجتهد بحثًا عن جواب له منذ أن طرحه أرسطو في كتابه علم الأخلاق. هذا السؤال يدفع الناس للتفاعل مع القصة بمختلف أشكالها ووسائل عرضها (التي تعتبر الأفلام أبرزها)، تلبية لحاجتهم في تلمس نماذج حيوات أخرى، كتدريب ذهني باعتبارها تجربة عاطفية ذهنية، «السينما هي كيفية أن تعيش أكثر من حياة، حياة جديدة مع كل فيلم تشاهده» كما قال المخرج السينمائي روبرت ألتمان.

التفاعل لا يكون إلا عندما يتوحد المشاهد مع الفيلم ذائبًا بأحداثه متقمصًا لشخصياته، يتفاعل معه حزنًا وفرحًا، خوفًا وجرأةً، حماسة وهدوءًا، وهنا يكمن المعنى الحقيقي للتسلية، فهو يعيش خلال هذه القصة مجموعة من المشاعر يصل فيها إلى نهاية مرضية ذهنيًا وعاطفيًا.

فكل الروايات والأفلام والمسرحيات سواء كانت كوميدية أو تراجيدية، يجب أن تكون مسلية وتمنح المشاهد نموذجا للحياة ذا معنى مؤثر، حياة لا يستطيع أن يعيشها، أو يتفاعل معها كما فعل بطل الفيلم، وفي بعض الأحيان لا يستطيع حتى تخيلها.

ولكن هل هذا يعني إن الغاية من الفيلم هي الهروب من الواقع؟

في كل فيلم نشاهد واقعًا يصنعه الكاتب يقودنا خلاله إلى حقيقة الحياة كما يراها. «فالفن هو إعادة تشكيل الواقع المحيط وليس خلق واقع جديد» كما قال المخرج السينمائي ستانلي كوبرك.

فالقيم التي تشحن الحياة سواء كانت إيجابية أم سلبية هي روح فن صناعة الأفلام، حيث يتمحور الفيلم حول ما يستحق الحياة من أجله، أو ما يستحق الموت من أجله، أو مطاردته بقوة من أجل معنى العدالة والصدق، وغيرها من القيم الأساسية. هذا الطرح وما ينتجه من تفاعل بين صناع الفيلم من جهة والجمهور من جهة أخرى، أصبح نادرًا مؤخرًا.

قال أرسطو قبل ثلاثة وعشرين قرنًا «حين تكون القصة رديئة تكون النتيجة التفسخ والاضمحلال»، لذلك تجد الكثير من الناس في الفترة الأخيرة يحاولون أخذ أكبر ضمانات ممكنة قبل دخول الأفلام، من خلال اللجوء للمواقع المتخصصة باستطلاعات الأفلام لمتابعة التقييم وتعليقات المشاهدين، لتجنب الخروج من الفيلم بجملة «مشاهد المطاردات والمؤثرات الصوتية والبصرية كانت جيدة في الفيلم» للتخفيف من خيبة الأمل عند الخروج من عرض أحد تلك الأفلام المغرية بألوانها عديمة الطعم والرائحة.

فتجد تلك الأفلام مليئة بالاستعراضات الراقصة والتفجيرات والعنف والفسق والموسيقى الصاخبة وغيرها من عناصر الابتزاز التي تمارس على الجمهور. فتنفق ملايين عديدة من الدولارات على الرقصات الشعبية، ويصبح التصوير أكثر إسرافًا، ويصبح تصرف الممثلين أكثر عصبية، وأكثر فسوقًا، وأكثر عنفًا، وتصبح الموسيقى والمؤثرات البصرية والصوتية مزعجة، كل هذه العناصر التي يجب أن تكون مختبئة خلف حبكة الفيلم وداعمة للقصة، تتحول إلى مصدر للتشويش على روح الفيلم.

يقول الكاتب روبرت مكي في كتابه القصة (والذي سأقتبس منه معظم أفكار هذه السلسلة) هذا النوع من الأفلام القائم على قصص زائفة وبعيدة عن الواقع تساهم في تفكك المجتمع، في وقت نحن بحاجة فيه إلى قيم ترسل ضوءًا صافيًا إلى الأركان المظلمة للنفس والمجتمع.

والغريب هنا إن مشكلة القصص الجيدة لا تقتصر على صناعة الأفلام العربية (رغم رداءتها الواضحة كمًا ونوعًا)، بل وصلت إلى هوليود التي أصبح من الواضح فيها خلال السنوات الأخيرة الاعتماد على إعادة إنتاج أفلام قديمة ناجحة، أو إنتاج أجزاء من الأفلام الخالية من أي مضمون إلا من مجاميع الممثلين المشهورين الذين يتم تكديسهم للحصول على إيرادات عالية.

سجلت نقابة الكتاب الامريكية ما يقارب من 35 ألف نص مكتوب سنويًا، ينتج منها ما يقارب من 400 فيلم سنويًا، أي بمعدل فيلم في اليوم، قليلها ممتاز، وأكثرها متوسط أو سيئ.

وفقًا لهذه الإحصائيات، فإن المشكلة الحقيقية لصناعة الأفلام في هذه المرحلة هي القصة الجيدة، وهو ما عبر عنه المنتج والمخرج البريطاني ألفريد هتشكوك بالقول «تحتاج ثلاثة أشياء أساسية لصنع فيلم جيد.. السيناريو، والسيناريو، والسيناريو»، وهذا ما سنتطرق له بالتفصيل في الجزء الثاني من سلسلة مقالات الأفلام.