نشر فى : الجمعة 29 يناير 2016 - 10:20 م | آخر تحديث : الجمعة 29 يناير 2016 - 10:20 م

ينشأ الشاب السلفى فى مقتبل عمره بطريقة تجعله ينفر من المجتمع وينفر منه المجتمع.. وتزيده انغلاقا على نفسه ويزيد المجتمع بعدا عنه.. فإذا نشأ فى قرية صغيرة إذا به يريد حمل المصلين فى المسجد ممن هم أكبر منه سنا وأقدم منه تدينا على طريقته التى تعلم بها الصلاة عن طريق كتاب الألبانى اسمه «صلاة النبى» «صلى الله عليه وسلم» وهو يريد حملهم على آراء الألبانى الفقهية رغم أنه محدث وليس بفقيه، وحتى لو كان فقيها فلا يوازى مرتبة فقه مالك والمالكية أو الشافعى والشافعية وأبى حنيفة والحنفية الذى ورثه عوام المصريين جيلا وراء جيل.

ويا ليته يلفت انتباه الكبار إلى رأى الألبانى برفق وتؤده ولكنه يعاملهم بجفاء واستعلاء، ناسيا أن الخلاف الفقهى فى الفرعيات كان دوما مصدر ثراء فى الشريعة وتوسعة على الناس ورحمة ورفقا بهم.. فهو لا يريدهم أن يقنتوا فى الفجر مثلا أو يلزمهم جميعا بالنزول على الركبتين أو الرجلين أو غيرها من هيئات الصلاة التى لا تمثل جوهر الصلاة وروحها ولكنها مجرد هيئات فقط.. أو يريدهم أن يصلوا التروايح ثمانية بدلا من عشرين رغم أن الأخيرة فعلها من هو أعظم وأجل بكثير منا جميعا وهو الفاروق عمر بن الخطاب «رضى الله عنه».


ولا يفكر هذا الشاب بطريقة أفضل من طريقته كأن يفكر بأسلوب «التبليغ والدعوة» مثلا، والذى يتلخص فى ترك المشاكسة مع الذين يصلون فى الفروع الفقهية.. والتركيز على أولئك الغافلين عن الصلاة كلها ولا يقربون المسجد.. وبدلا من معاكسة الكبار من أهل المسجد فلنعمد جميعا إلى الاهتمام بمن هو خارج المسجد.. وبدلا من التركيز على فرعيات فقهية فى قيام رمضان مثلا فلنهتم جميعا بمن لا يقومون الليل فيه.


أعرف مجموعة من الشباب المتدين فى التسعينيات وجدوا الكبار فى مسجدهم يسمعون المصلين قبل الفجر تواشيح الشيخ النقشبندى الرائعة حتى لا يمل الناس من الانتظار الطويل لصلاة الفجر، لا سيما أن القرويين يذهبون مبكرا جدا لصلاة الفجر فى شهر رمضان.


ورأى هؤلاء الشباب أن هذه بدعة فقام أحدهم بإغلاق الكاسيت عنوة رغما عن الأهالى الذين أحاطوا بهم وسلموهم للشرطة التى اعتقلتهم لمدة عامين.


وأزمة هؤلاء الشباب تتمثل فى أمور كثيرة منها توسيع معنى البدع، والخلط بين العقائدية منه والعملية، والنافعة والضارة، والتى تحث الناس على الخير، والتى تؤزهم على الشر والمنكر.


ومن أزماتهم الفكرية أيضا الرغبة فى حمل الناس على ما يرون من الصواب إن كان صوابا.. والاعتقاد بأن هذا الذى يحمله هو الحق دون سواه.


ومنها عدم إدراك أن تغيير المنكر المتفق عليه فقهيا ودينيا أو قانونيا باليد هو من سلطة الدولة ومؤسساتها، وأن التغيير باللسان هو مسئولية العلماء والحكماء والدعاة، وأن التغيير بالقلب مسئولية عوام الناس.. ويلحق بذلك عدم إدراك فقه المصالح والمفاسد والمآلات.


إن صوتا صادقا شجيا مثل الشيخ النقشبندى قد يبلغ رسالة السماء أكثر من ألف واعظ وخطيب وداعية.. إنه ينفذ إلى قلبك مباشرة.


فإذا أكملنا مسيرة مثل هذا الشاب الحياتية وجاء شهر رمضان بحث عن الغرائب والعجائب ومنها على سبيل المثال لا الحصر أن تحديد أوائل الشهر وآخره لا يكون بالحساب الفلكى بل بالرؤية العينية.. مع أن مصر تجمع بين الرؤية بالتليسكوب وهو أفضل مليون مرة من العين المجردة وأضمن، بالإضافة إلى الحساب الفلكى وعادة ما يتطابقان.


ولو أن الرسول «صلى الله عليه وسلم» كان لديه تلسكوب لما تنازل عن أن يرى أول رمضان ومواقيت الأعياد إلا به.. ولكنه قال عليه السلام «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فاقدروا له»، ولك أن تراه بأى وسيلة، فإذا كانت لديك وسيلة حديثة لزمك استخدامها..المهم أن تراه، أما معنى فاقدروا له فهو يعنى الحساب الفلكى الذى لا يخطأ عادة فى حساب مواقيت الأشهر.


فإذا بهذا الشاب يترك الصيام والإفطار مع قومه وأهله وأسرته وأحبته ليصوم مع السعودية وغيرها.. مع أنها أخطأت مرات فى موضوع الرؤية واعترفت بذلك دون غضاضة.


ولم يفقه مثل هذا الشاب المعنى العظيم الذى أراده الرسول «صلى الله عليه وسلم» من الحديث الرائع «صومكم يوم يصوم الناس وفطركم يوم يفطر الناس» وكأنه يقول: إن صيام رمضان وفرحة العيد لها ركن اجتماعى فلا تقوم سعادتها ولذتها وفرحتها إلا بمشاركة الآخرين من أسرتك وأهلك وعشيرتك وشعبك معك.. أما إذا انقطعت وانعزلت بها عنهم فلا قيمة لها ولا مكانة.


فإذا جاء موعد زكاة الفطر فى شهر رمضان هاج الشاب وماج من أجل حمل الناس جميعا شيوخهم وشبابهم والأمهات والأخوات والزوجات على أن دفع زكاة الفطر نقدا غير جائز وأن دفعها عينا هو الأصح والأولى إن لم يكن الواجب .


ويشعل معركة لا جدوى منها ولا قيمة لها فى فرع الفروع الفقهية.. وكلا الرأيين كان موجودا من قديم الزمان فى الفقه الإسلامى.. ولكن الشاب المتعجل نسى أن الذين يرون أن زكاة الفطر نقدا من الصحابة والسلف الصالح كثيرون جدا ومنهم على سبيل المثال لا الحصر: أمير المؤمنين الخليفة الخامس عمر بن عبدالعزيز، والبخارى والحسن البصرى، وسفيان الثورى، وعطاء، حتى إن بعض فقهاء المالكية خالفوا الإمام مالك فى رأيه واتبعوا هذا الرأى، ومنهم على سبيل المثال الأشهب وابن القاسم.


وهذا الرأى رآه من قبل الأمام أبو حنيفة النعمان ــ رضى الله عنه ــ وجمهرة كبيرة من الفقهاء، وأكثر الفقهاء المعاصرين الآن من كل الاتجاهات.


وهؤلاء الفقهاء يبنون رأيهم على أن الزكاة ليست أمرا تعبديا، ولكنها عبادة مالية تخضع للقياس.. وقد كان الصحابى الجليل معاذ بن جبل سابقا لكل الفقهاء، فقد روى البيهقى عنه قوله: «إيتونى بعرض ثياب قميص أو لبس فى الصدقة مكان الشعير والذرة أهون عليكم وخير لأصحاب النبى صلى الله عليه وسلم».. وكأنه ينادى على الجميع أن الإنسان لا يحتاج إلى الطعام فقط، ولكنه يحتاج إلى أشياء أخرى كثيرة قد تكون أهم لديه من الطعام.


أما أكثر المحدثين فيرون أن زكاة الفطر نقدا هى الأفضل للمريض والأنسب للحياة العصرية، فضلا عن تعقيدات شراء الحبوب من التجار الذين يبيعونها فاسدة للمساجد ثم يعود الفقير ليبيعها لنفس التاجر بنصف ثمنها، فلا يكسب من هذه المنظومة الفاشلة سوى التجار الجشعين، ولا يخسر فيها سوى المزكين الأتقياء والفقراء البسطاء.. كما أن حاجات الناس اليوم قد اختلفت عن ذى قبل.. فلا يحتاج المريض إلى الطعام ولكنه يحتاج إلى الدواء وغيره.


والحقيقة أن أكياس الأرز والفاصوليا والمكرونة تتكدس عند الفقراء أو أدعياء الفقر الذين يتجمعون عند المساجد.. فينسى الفقير الحقيقى الذى «يحْسبهم الْجاهل أغْنياء من التعفف تعْرفهمْ بسيماهمْ لا يسْألون الناس إلحافا».


فضلا عن دوران مثل هذا الشاب البسيط حول خزعبلات الفجر الكاذب والحقيقى والتى تخرج إلى دنيا المتدينين كل بضعة أعوام لتشغلهم عن قضايا أمتهم الرئيسية.


والمشكلة أن هذه القضايا الفرعية استهلكت سنين وشهورا طويلة من عمر الحركة الإسلامية التى تدور حول نفسها كالساقية، ليبدأ كل جيل فى طرح نفس الأسئلة والدوران حول الفرعيات التى تفصله عن مجتمعه، وتضيق أفقه، وتشتت الأحبة من حوله، حتى إذا ما نضج واستوى عقله على عوده إذا بفرص الدعوة والهداية قد ذهبت وإذا بالعمر قد انقضى.. وإذا بالزمن قد تجاوزه.. وإذا بصداماته المتكررة مع مجتمعه تتحول إلى صدام مع الحكومة التى لا ترحمه ولا تعفيه من العقاب والعذاب والهوان.