نشر فى : الجمعة 29 يناير 2016 - 10:20 م | آخر تحديث : الجمعة 29 يناير 2016 - 10:20 م

لأن تحديات الإرهاب تواصل تصاعدها، وتحسن الأوضاع الاقتصادية والظروف المعيشية يواصل غيابه، ليس فى استطاعة الحكم فى مصر أن يستند إلى النجاح فى القضاء على الإرهاب، وتحقيق الرخاء الاقتصادى كمصدرين لإنتاج شىء من الرضاء المجتمعى، ولحمل الناس على تجاهل ممارسات العنف والمظالم والانتهاكات اليومية التى باتت تحيط بالمجال العام من كل جانب. لذا تتوالى محاولات الحكم عبر مؤسسات وأجهزة الدولة، التى يسيطر عليها ومن خلال النخب المتحالفة معه صياغة مزاعم بديلة لإقناع الناس إما بعدم التوقف عن تأييده أو الاكتفاء بالعزوف عن الشأن العام والامتناع عن تطوير العزوف إلى معارضة يتبعها بحث عن بديل، وهى فى المجمل محاولات تلى ولا تسبق استخدام اليد القمعية وأدوات العنف الرسمى إن لإخضاع المواطن أو لإخافته من عواقب المعارضة.
على صعيد أول، تتسع فى الخطاب الرسمى للحكم وفى الخطاب الإعلامى الموالى له دوائر «الأعداء والمتآمرين» الذين يدفع باتجاههم بمسئولية تعثر جهود مواجهة الإرهاب وتعذر تحسين الظروف المعيشية. فى صيف 2013، شكلت جماعة الإخوان المسلمين الدائرة الأساسية «لأعداء الوطن»، وروج واتهامات السلطة لها بتخريب الاقتصاد الوطنى، وتعطيل جهود التنمية. وأعقب دائرة «الإخوان الإرهابيين» الدائرة الأصغر عددا من دعاة حقوق الإنسان والحريات الذين صنفوا أيضا «كأعداء» (الطابور الخامس) وألصقت بهم اتهامات الخيانة والعمالة والتآمر. وأضيف إلى الدائرتين المحليتين دوائر من الأعداء الإقليميين كحركة حماس وحكومة قطر وحكومة تركيا ومن الأعداء الدوليين كالإدارة الأمريكية وبعض الحكومات الأوروبية ومنظمات حقوق الإنسان العالمية، واتهمت الجميع بتمويل ودعم الإرهاب وبتخريب الاقتصاد.
اليوم، بعد مرور عامين ونصف العام على تعطيل الآليات الديمقراطية فى صيف 2013، تتسع دوائر «الأعداء والمتآمرين» المحلية لتشمل قطاعات شعبية كالطلاب والشباب والعمال إن بسبب احتجاجاتهم السلمية المستمرة، أو بسبب رفضهم الرضوخ لأوامر الطاعة والامتثال الصادرة عن الحكم، أو بسبب كسرهم لحاجز الصمت بشأن المظالم والانتهاكات المتتالية من القتل إلى الاختفاء القسرى. اليوم، وعلى نحو يجنح إلى المأساوية المضحكة، تتسع دوائر «الأعداء الإقليميين والدوليين» لتشمل متآمرين كونيين وقوى شر عالمية يزعم عملها على نشر الإرهاب و«تركيع مصر» وإفشال الدولة الوطنية وتدمير الاقتصاد، اليوم.
أما مسئولية الحكم عن تعثر مواجهة الإرهاب بسبب أخطاء كثيرة فى السياسات المتبعة، فأبرزها الاعتماد الأحادى على الأداة الأمنية للقضاء على الإرهاب والعصف بسيادة القانون وبالحقوق والحريات فى سياقها على نحو يجعل بعض البيئات المحلية حاضنة للعنف، فيسكت عنه. ولا تلقى مصيرا مغايرا إخفاقات السياسات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية المطبقة، من إطلاق «مشروعات كبرى» غير مؤكدة العوائد ولم تخضع لحوار مجتمعى حقيقى إلى «وعود الإنجازات القادمة» التى تفتقد لأقل مقومات التقييم الموضوعى وتغيب بشأنها الحقائق والمعلومات.
***
ثانيا، وإلحاقا بدوائر الأعداء والمتآمرين المتسعة بانتظام، تضخ دماء إضافية للكراهية والإقصاء ونزع الإنسانية ليعتاش عليها وحش الاستقطاب المجتمعى ولتطلق تعويلا عليها اليد القمعية للحكم. يخرج رسميون ومسئولون حكوميون ليطلقوا اتهامات جزافية بشأن هوية المتورطين فى أعمال الإرهاب وممارسات العنف، ويشيعوا الروح الانتقامية بين الناس، ويطالبوا بالعقاب الجماعى والفورى للمزعوم تورطهم والمتعاطفين معها وغيرهم. يفعلون ذلك دون اعتبار للتداعيات الكارثية للجزافية والتعميم على نسيج المجتمع الواحد، دون تقدير لخطورة مشاعر الانتقام والتشفى وشررها المتطاير باتجاه المجتمع والدولة ومبادئ سيادة القانون والعدل، دون إدراك لضرورة عمليات تقاضى منضبطة لمنع انهيار ثقة الناس فى مرفق العدالة وفى مجمل مؤسسات وأجهزة الدولة.
كخط دفاع مبدئى عن الحكم، يخرج الإعلام العام والخاص الموالى له لينكر حدوث ظلم أو انتهاك للحقوق والحريات ولينفى وجود ضحايا. ثم حين يتعذر الإنكار بسبب توثيق المظالم والانتهاكات من خلال شهادات شخصية لبعض الضحايا وجهود المدافعين عنهم وبعض منظمات حقوق الإنسان المستقلة، يشرع الإعلام فى تبرير الظلم بترويج خطاب كراهية لا لبس فيه باتجاه الضحايا وباتجاه رافضى سطوة اليد القمعية وتغول الأجهزة الأمنية وباتجاه عموم المعارضين. تارة تلصق بهم اتهامات العنف والتطرف والتآمر الجزافية، وتارة أخرى تلصق بهم هويات إجرامية كالعمل على هدم الدولة وقلب نظام الحكم ومخالفة «الأخلاق والآداب العامة»، وتارة ثالثة يجردون من كل قيمة وطنية وإنسانية تشويها وتخوينا ثم ترويجا لحتمية معاقبتهم جماعيا.
وفى خطوة الجنون الأخيرة، يصل الخطاب الرسمى للحكم ومعه الإعلام الموالى له بالكراهية والإقصاء ونزع الإنسانية إلى الحدود القصوى، فتوصف المظالم والانتهاكات – بل وجرائم كالقتل خارج القانون والتعذيب والاختفاء القسرى – كأعمال تصفية مشروعة. ويحتفى باليد القمعية وبتغول «الأجهزة» كأعمال تأسيسية للحفاظ على الدولة وتماسكها، وللحيلولة دون الانزلاق إلى غياهب الانهيار والتفتت المنتشرة إقليميا. أما مسئولية القمع والظلم والانتهاكات، منظومة الحكم السلطوى، عن تهديد تماسك الدولة الوطنية فتحال إلى خانات المسكوت عنه، شأنها شأن تداعيات الكراهية ونزع الإنسانية الكارثية على التضامن المجتمعى الذى تخصم منه بقسوة الصراعات الحادة بين من هم مع الحكم ومن هم ضده.
***
ثالثا، يعمد الخطاب الرسمى ومعه الإعلام الموالى له إلى منع غير الراضين والعازفين بين المواطنات والمواطنين من تطوير موقفهم باتجاه البحث عن بديل. ويفعل الحكم ذلك، أو بالاستهزاء بالسياسة وفاعليها أصحاب المصالح الشخصية ومناقشاتها التى أبدا لا تأتى بالخبز إلى موائد طعام الأسر المصرية، ومن ثم حمل الناس على الإقرار بغياب البديل.
فى هذا الصدد، يوظف الحكم مجموعة من المقولات الحاضرة دوما فى دولاب عمل السلطة المصرية والتى يسهل استدعاؤها وعصرنة صياغاتها لكى تناسب اللحظة الراهنة.
ثم تتواتر فى الخطاب الرسمى للحكم والخطاب الإعلامى الموالى له صياغات تروج لكون بعض الأجهزة النظامية الأخرى هى وحدها القادرة على «إنقاذ الوطن» فى ظل الظروف الداخلية والإقليمية الصعبة، ويستتبع ذلك إسقاط مفهوم «العجز عن إدارة شئون البلاد» على المؤسسات المدنية فى بنية الدولة المصرية وتعريف أدوارها فى سياق الالتحاق بالمؤسسات والأجهزة القوية التى تحمى الوطن والدولة والمجتمع (لا وجود للمواطن فى عالم المؤسسات القوية هذا).
أخيرا، تتداول بكثافة مقولات الاستهزاء من السياسة التى توصف «كسفسطة» لا طائل من ورائها، ومن مناقشات السياسة التى تتهم بالعجز عن تقديم الحلول الحقيقية للأزمات الأمنية والمعيشية والاقتصادية والاجتماعية، ومن السياسيين الذين يدعى استسلامهم لغواية المصالح الشخصية وعوائد الدور العام على عكس العسكريين والنظاميين الذين ينزهون عن الغواية والمنافع – وللتدليل تكفى بعض مشاهد من مواسم الانتخابات وبعض مشاهد أخرى من مؤسسات تشريعية مشوهة ومن سجالات إعلامية تغتال العقل.
تباعد مقولات الاستهزاء بالسياسة بين الناس وبين البحث السلمى عن بدائل لحكم لم يحقق، بغض النظر عن طبيعته السلطوية، الكثير من وعود البدايات؛ الأمن والرخاء. وإلى خانات المسكوت عنه تحيل مثل هذه المقولات واقع أن السفسطة المسماة اليوم سياسة ومناقشاتها المتهافتة وفاعليها الأشد تهافتا هى جميعا من صنع الحكم الذى أمات السياسة بمضامينها الحقيقية وأحل سطوة اليد القمعية وتغول الأجهزة الأمنية محل حق المواطن فى الاختيار الحر بين بدائل رؤى وأفكار وسياسات وسياسيين جادة.