نشر فى : الجمعة 29 يناير 2016 - 10:20 م | آخر تحديث : الجمعة 29 يناير 2016 - 10:20 م

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بفوز دول الحلفاء (أمريكا – بريطانيا – فرنسا – النمسا) على دول المحور (الاتحاد السوفييتى – ألمانيا – تشيكوسلوفاكيا) بدأت فترة أطلق عليها الحرب الباردة (1945 – 1989) والتى انتهت بسقوط وتفكك الاتحاد السوفييتى، وهى الفترة التى تم فيها إنشاء الأمم المتحدة والإعلان أن الحرب العالمية الثانية ستكون آخر الحروب العالمية فى التاريخ الإنسانى. فى ذلك الوقت انطلقت بالتوازى دراسة المجتمعات النامية أى مجتمعات العالم الثالث والتى من أهمها مجتمعات الشرق الأوسط التى تحددت حدودها باتفاقية سايكس بيكو (الإنجليزية ــ الفرنسية) بعد الحرب العالمية الأولى، وقد اعتبرت مجتمعات لدول نامية؛ وقد استخدم تعبير «نامية» تهذيبا للتعبير «متخلفة».
وكانت الدراسات على العالم الثالث ككل تتنبأ وترى وتؤكد أن هذا العالم على إطلاقه سوف يتجه بعد أن وضعت الحروب العالمية أوزارها إلى التحديث والعلمانية آجلا أم عاجلا، وأن المسألة هى مسألة وقت لكن ما فات هذه الدراسات ـ وكان خطأ أساسيا فى التحليل ــ هو الحكم العام على العالم الثالث بما فيه دول الشرق الأوسط أو الوطن العربى بأنه سوف يتجه وبقوة نحو العلمانية. فخصوصية الوطن العربى تتمركز فى الأديان فهذه الدول كانت مهبط الأديان اليهودية والمسيحية والإسلامية؛ وهكذا كانت عاملا اساسيا فى تشكيل هوية شعوبها، بل هناك دول أقيمت أساسا على الدين مثل الجزيرة العربية وذلك عندما تحالف آل سعود مع الوهابيين (الملك عبدالعزيز آل سعود وكان يطلق عليه أسد السعودية مع الشيخ محمد عبدالوهاب مؤسس الوهابية)، واطلق عليها المملكة العربية السعودية ليتم تجميع القبائل المتناحرة فى شكل دولة تبنى على الوهابية دينا وآل سعود سياسة.
وهذه النظرة السطحية للدول العربية بتأكيد أنها تتجه إلى التحديث لم يثبت فشلها فقط عند تأسيس دولها كما السعودية لكن أيضا بقيام الثورة الدينية فى إيران 1979؛ ونتيجة هذا الإهمال البحثى والسياسى عالميا ومحليا الذى تعمد إهمال عامل الدين دعت قادة ثورات الجيوش للاستقلال من المستعمر إلى انطلاقة فكرية متجددة تقود الشعوب الثائرة وتجمعها حول عقيدة تعبر عن هويتها ومستقبلها.
وهكذا ظهر ميشال عفلق فى العراق لينظر لحزب البعث العلمانى وظهر عبدالناصر فى مصر متبنيا حكما حديثا علمانيا بامتياز بمشروع قومى متكامل، وهكذا كان حافظ الأسد فى سوريا ومعمر القذافى فى ليبيا. وبدأ المثقفون العلمانيون يضعون مناهج التعليم فى مصر وباقى الدول العربية، وحاولوا أن يهمشوا الدين فى هذه المناهج فتحولت العلمانية إلى عقيدة Dogma أكثر منها مبدأ أو نظرية قابلة للمناقشة والتعديل والتحديث.
***
وجاءت الرياح بما لا تشتهى السفن حيث انهزمت الدول العربية عام 1967 وانهار الاقتصاد المصرى، وانهارت ليبيا تحت حكم ديكتاتورى أصبح سخرية العالم، سافر المصريون بعد الأزمة إلى السعودية ودول الخليج وعادوا بأفكار دينية متطرفة وملابس دينية وهوية مترددة بين السعودية ومصر. تراجعت العلمانية وأصبحت مساوية للإلحاد وكانت النتيجة أن الذين انحازوا للعلمانية لم يخدموها كما يجب ولم يقدموها كما ينبغى، والذين انحازوا للدين لم يقدموه كدين يتفاعل مع مشاكل العصر فلم يخدموه حقيقة.
فقد صار المتدين إرهابيا والعلمانى كافرا ملحدا لدى شعوب تقهقرت علميا وسياسيا واقتصاديا وفكريا وهكذا احتل الدين الصدارة على مسرح الأحداث وأصبح قطباه السعودية (السنى) وإيران (الشيعى) وبهذا تقهقر سيناريو تحديث الشرق الأوسط. والأسباب الحقيقية لذلك لم يكن مجرد إهمال البحث فى الجذور فقط ولكن فشل الحكومات التى وصلت للسلطة؛ ذلك لأنهم جاءوا محمولين على دبابات فاستبدوا بشعوبهم، وكان التدهور الاقتصادى لأنهم ببساطة لا يفهمون فى الاقتصاد ودخلوا حروبا بلا سبب الا النعرة القومية ومازالوا حتى اليوم يستبعدون الحلول السلمية إلا فى حالة الهزيمة وهو ما يجعل مواقفهم ضعيفة. هذا فضلا عن إخفاقهم داخليا فى التوزيع غير العادل للثروة والفساد وانتهاك حقوق الإنسان.
مع مرور الأيام تكون جيل من الشباب لم يعش الثورات؛ جيل أحفاد ثوار الخمسينيات والستينيات ليس مغيبا بشعارات القومية العربية والنزعة الثورية، والتفت حوله بعد العولمة وثورة المعلومات والفضاء الافتراضى ليلاحظ التناقض بين بلاده وبلاد العالم المتحضر، بين شعوب تركض نحو التقدم والتفوق والإبداع والغنى وما يعيشه فى واقعه ويلمسه من أجواء الخوف والقلق والشعور بالقهر والكبت. وهكذا اتجهوا إلى قوة أكبر طلبا للخلاص ولم يكن أمامهم سوى السماء، وهكذا ظهرت جماعات تحيط نفسها بهالة دينية غامضة سحرية تبشر الناس بالخلاص وتعلن أن الله يعاقبنا بحكام ظالمين. ولو كان الله يعاقب البشر بحكام ظالمين لكان من الأولى يعاقب دول الغرب بهم لأنهم يسمحون بزواج المثليين ونساؤهم يسرن عرايا بحسب أدبيات هذه الجماعات الدينية، لكن شعوبنا تصدق ولا تفكر، وهذا قصور معرفى فى الفهم ساهم فى تغلغله وانتشاره المنتفعون من انتشاره واستمراره من الخارج والداخل؛ حيث إن الدين فى ثقافتنا هو الورقة الرابحة وبخاصة التفسير المتخلف للنصوص الدينية.
***
أما النموذج الذى نكرهه ونحتاج إلى دراسته وفهمه هو نموذج دولة إسرائيل، فإسرائيل دولة علمانية حكومة دينية شعبا، وقامت على نصوص توراتية فى ميراث الأرض وهو أسلوب تفكير متخلف من القرون الوسطى تركته دول العالم، ومع ذلك نجد إسرائيل تظهر بصورة متحضرة وتتحدث إلى العالم كدولة حديثة علميا وتقنيا، فقبلها العالم على الرغم من أساسيات وجودها الخرافية. إن إسرائيل تؤكد دائما على هويتها الدينية ويضمنون برامجهم السياسية قضايا دينية فيظل الدين مصدرا للهوية والأهمية حالا ومستقبلا، وهذا يوفر لهم معنى لوجودهم ورمزا لهذا الوجود سياسيا واجتماعيا.
يقول صموئيل هنتجتون «المسلمون يسعون إلى أسلمة الحداثة بدلا من سعيهم إلى تحديث الإسلام» إن مجرد ذكر تعبير تحديث الإسلام يثير الدنيا ولا يقعدها عند أهل الحل والعقد فى بلادنا؛ ومنطقهم أنه لا يوجد إسلام قديم وإسلام حديث، ولا يوجد إسلام بدوى وإسلام حضرى، ولا يوجد إسلام ثورى وإسلام ثروى؛ الإسلام واحد تاريخا ومنهجا وشكلا. يقولون هذا وعلى الأرض سنة وشيعة وجماعات إسلامية تكفر الاثنين وغير ذلك الكثير مثل قانون ازدراء الأديان كسيف مسلط على رقبة كل مجتهد لتحديث الإسلام.
ونحن نعيش أجواء ثورة 25 يناير علينا أن نعرف أى العقول نحن وعندئذ نكتشف أن الذين ثاروا فى 25 يناير أو 30 يونيو ثاروا فعلا لأسباب سياسية واقتصادية وتمردوا على الاستبداد والتوريث، لكن عندما نعيد الاستماع إلى قياداتهم من كبيرهم إلى صغيرهم ومن الذين رأيناهم يتحدثون كمرشحى الثورة لوجدنا أفكارهم لا هى جديدة ولا عصرية فلا يكفى أن يثوروا ويتمردوا لكى يوصفوا بالتجديد والعصرنة، الثورى هو من انقلب على واقعه وانتفض عليه وهذا من حقه وهذه الثورة أو الانتفاضة صنعت تغييرا لكنها لم تنشئ تجديدا. لذلك لابد وأن يناقش البرلمان الجديد وبرامج التوك شو والصحافة قضية أننا غيرنا الشكل فهل من سبيل لتغيير المضمون، كيف نبدأ بتجديد الفكر السياسى والدينى ليكون فكرا حديثا معاصرا وهكذا نكون ثوارا متجددين ولا تضيع ثورتنا هباء منثورا.