نشر فى : الجمعة 29 يناير 2016 - 10:15 م | آخر تحديث : الجمعة 29 يناير 2016 - 10:15 م

كنا ثلاثة لم نلتق من قبل. كاتب فرنسى يزور القاهرة للمرة الأولى، وآخر أمريكى مفتون بها حتى إنه عاش فى قلبها لأكثر من عقد، وأخيرا أنا. يعرف ثانى الرجلين منطقة وسط المدينة بدقة وكأنها بياناته الشخصية؛ يحفظ تاريخ كل مبنى، ويعلم تفاصيل المعمار وتطوراته بدقة، أما الأول فينصت له باهتمام دون أن يطرح كثيرا من الأسئلة، وأنا؛ يكتنفنى الوجوم ويزداد شرودى وتصبح خطوتى ثقيلة كلما استفاض صديقنا فى السرد.
كان اليوم شتويا ثقيلا. سماء ملبدة وبرودة تخترق كل وسائل التدفئة التى نملكها، وتاريخ قاهرة الخديو اسماعيل، تلك المتحضرة المتلألئة، يتلى علينا، بينما أقدامنا تغوص فى أوحال المطر وتغيب مرات فى حفر الشوارع الجانبية الممتلئة حتى حوافها بالمياه.
توقفنا بين الحين والحين أمام ما رآه رفيقنا ــ المتطوع لقيادة الجولة ــ جديرا بلفت الانتباه. الأعمدة الرخامية لم تعد من رخام. غطاها لون بنى قبيح كأنه حكم بالإعدام، عديد الرسوم والنقوش كفنها الأسمنت، والقصور القديمة التى شيدت دررا للأمراء والأميرات، صارت مأوى للعنكبوت والظلام. أبوابها نصف مفتوحة، السلاسل الحديدية الصدئة تحيط بأسوارها، نوافذها مسلوبة فارغة، وجدرانها محملة بالأتربة، والجسيمات المجهولة تطمس ملامحها الأصيلة.
عبرنا فى أحد الممرات التى اشتهرت ببيع الملابس المستوردة منذ زمن بعيد، وانتظمنا فى صف واحد يتبع أحدنا خطوات الآخر، لا لشىء إلا لأن المساحة المتروكة للسائرين تقلصت بسبب الردم والحفر. كانت المعدات الثقيلة تزيل بلاطات الرصيف السليمة وتستبدل بها أخرى مشابهة لا تختلف عنها شكلا ولا لونا. ثمة بناية بدت نظيفة ورائقة، علاها طلاء مميز. أشار إليها رفيقنا، وقال إن اللون تغير حديثا بعد أعمال التجديد. التفت إلينا دون أن تفارقه الجدية الشديدة التى تكسو كلماته منذ بدأنا المسيرة، وقال بصوت قوى إن البناية التى صارت وردية، والبلاطات الجديدة المرصوصة فى مكعبات كبيرة الحجم، والتى تنتظر الاصطفاف على الرصيف، ما هى إلا محاولات بائسة من النظام المصرى الحالى كى يوهم الناس بأن ثمة تقدما وأن ثمة تحديثا وأن الدولة قوية. أضاف بنبرة واثقة أن هذا كله محض هراء، فالاقتصاد المصرى يتهاوى والجميع يدرك هذا الأمر، ويعلم ما يخفى وراء مظاهر الترف الزائفة.
***
حين انطلقنا فى درجة حرارة تقترب من التجمد كانت الحماسة تعطينى شيئا من الدفء. أحببت إطالة النظر إلى بقايا القصور وإلى أبواب البنايات العريضة الراسخة، تلك التى ربما أعبرها أسبوعيا فلا أرى فى كل منها سوى طلل مكلل بالغبار، تحجبه الأضواء الكاشفة المسلطة من محلات الملابس والأحذية فى كل اتجاه. ما هو مألوف صار مع استرجاع التاريخ مبهرا وما هو باهت استحال مهيبا، لكن المسافة بين ما كان وما صار استدعت أوجاعا أهملتها الذاكرة لصالح أخرى. بمرور الوقت فشلت فى مواصلة الحماسة، ثم فى ادعاء اللامبالاة، وغشيتنى سحابة من الكآبة تيبست معها أطرافى ولم أعد أشعر بقدمى فى الحذاء، ولا بطرف أنفى الذى صار خدرا. كففت عن الإنصات والمتابعة وطفقت أحدق فى السماء السوداء.
رفيقنا الأمريكى الذى عاش فى القاهرة لسنوات تركها منذ شهور إلى مدينة أخرى وقارة أخرى، بعد ما آلت إليه الأحوال. كانت عيناه تتسعان وتلمعان وهو يحكى ما شهده بنفسه خلال معارك فى نوفمبر 2011؛ قادة الدراجات النارية الذين يعبرون إلى الخطوط الأمامية فيحملون الجرحى والقتلى ويعودون إلى الخلف بهم. يفرغون حمولتهم فى المستشفى الميدانى وينطلقون فى المسار ذاته وبسرعة جنونية مرة أخرى. لم تكن مخاطرتهم وحدها هى ما أثار انتباهه وحماسته، بل قيادتهم للدراجات وهم مغلقو الأعين بفعل الغازات. أشار فى معرض حكاياته إلى أن ثمة غازات استوردتها الحكومة المصرية مع تصاعد المواجهات من نظيرتها الأمريكية. أكد أنها تهاجم الجهاز العصبى، ونفى عن تجربة شخصية أن تكون محضا منشطا لإفراز الدموع بأية حال.
***
كلما فتح فاه ليستأنف الكلام، بدأ رفيقنا رحلته التاريخية بعبارة: «ولما كانت القاهرة».. ولما كانت القاهرة جميلة، ولما كانت القاهرة عظيمة، ولما كانت القاهرة مدينة. لما عرفت أنوار الشوارع قبل عديد المدن الأوروبية، ولما أنشأت ثانى أقدم سكة حديدية. اليوم تعرف القاهرة أعمق تشويه وكذب واستقباح.
تبادلنا المزاح حول المرور وازدحام الطرقات وأعداد السيارات اللانهائية. انتقل رفيقنا إلى وصف أماكن أخرى عرفها وتوقف عند تاريخ هليوبوليس أو مدينة أون. تفاجأ حين قلت له إن الترام الذى يصفه فى مصر الجديدة تلاشى ولم يعد له وجود، وإن انتزاع أحشاء الأرض لدفن قطار الأنفاق فيها يجرى على قدم وساق. فى تلك اللحظة كان صدرى يضيق وينقبض وكأن وجودى يتلاشى هو الآخر. ترام مصر الجديدة الذى اعتدت استخدامه فى سنوات الدراسة بصورة شبه يومية، والذى طالما فضلت ألفته على جميع المواصلات انتهى إلى الأبد، ومثله انتهى حى مصر الجديدة الذى عرفت منذ الطفولة.
طرح رفيقنا الفرنسى سؤالا فى بداية اللقاء. بدت الإجابة تأكيدا لما يعرفه أو ربما ما يتوقعه.. سأل إن كانت ذكرى الثورة التى حلت منذ أيام قد مرت فى هدوء. هززت رأسى حينها صمتا، وتذكرت السؤال بعد أن انتهت جولتنا. توطنت الحسرة وازداد الحنق مكيالا.