نشر فى : الجمعة 29 يناير 2016 - 10:15 م | آخر تحديث : الجمعة 29 يناير 2016 - 10:15 م

حين تصبح ثورة ٢٥ يناير موضوعا خلافيا فى مصر، فذلك يعنى أن ثمة خللا فادحا فى الإدراك وتغليطا جسيما فى قراءة التاريخ وازدراء مدهشا لحركة الجماهير وانتفاضة المجتمع. ذلك أننى لا أعرف فى التاريخ المصرى المعاصر ثورة بعمق وشمول ذلك الحدث الكبير الذى وقع فى عام ٢٠١١. حتى أزعم أن ما جرى آنذاك بمثابة لحظة نادرة يصعب تكرارها فى الأجل المنظور على الأقل. لذلك فإننى لم أستسغ الذعر الذى انتاب أجهزة السلطة المصرية حين حلت الذكرى الخامسة للثورة ولا التعبئة الإعلامية الكبيرة التى استهدفت التحذير من التظاهر فى ذلك اليوم. ولا تلك التى وصفت الداعين إلى التظاهر بالمروق والخيانة. أما الذى لم أفهمه وتعجبت له كثيرا أن ترتفع بعض الأصوات التى سعت إلى الطعن فى ثورة يناير. وتصويرها باعتبارها فعلا سياسيا فاضحا ومؤامرة كونية استهدفت إسقاط الدولة المصرية. ولم يدرك أصحاب تلك الأصوات أنهم بذلك يلطخون ويهينون أنصع صفحات التاريخ المصرى وأجمل وأنبل إبداعات الشعب المصرى.
كنت خارج مصر حين حلت الذكرى الخامسة فى ٢٥ يناير. وراعتنى أصداء الإهانات والبذاءات التى صدرت بحق الثورة من جانب بعض الأصوات، وهو ما عبرت عنه عدة كتابات و بثته بعض البرامج التليفزيونية. الأمر الذى أشاع حالة من الانكسار فى أوساط المصريين المغتربين والبلبلة عند غير المصريين والشماتة فى محيط الكارهين والمتربصين. وحين كنت ألمس تلك الانطباعات وراء ما وجه إلى من أسئلة فإننى لم أملّ من التأكيد على أن الإعلام المصرى الراهن هو أسوأ تعبير عن المجتمع المصرى. أما حجتى فقد كنت أسوقها على النحو التالى:
خلال القرنين الأخيرين شهدت مصر خمس ثورات. الأولى قادها محمد على باشا فى عام ١٨٠٣ واستثمر فيها ثورة المصريين ضد المماليك بحيث حقق طموحه فى الولاية بمساندة جنوده الألبان، ونجح فى طرد الوالى العثمانى، ثم قام بحملته الإصلاحية بعد ذلك. الثانية كانت بعد ذلك بثمانين عاما حين قاد أحمد عرابى باشا الثورة ضد هيمنة الشراكسة وسلطان الخديوى توفيق. لكن جهوده أحبطت بالاحتلال الانجليزى لمصر عام ١٨٨٢، ونفى عرابى إلى خارج البلاد. الثالثة كانت ثورة ١٩١٩ التى كانت ضد الاحتلال البريطانى وقادها سعد باشا زغلول. وكان غضب الشعب قد انفجر بعد نفى سعد باشا ورفاقه وترددت أصداء الغضب فى مختلف أنحاء القطر المصرى على نحو فاجأ الانجليز فأطلقوا سراح سعد باشا وفاوض الانجليز بعد ذلك على إنهاء الانتداب وإجراء بعد الإصلاحات فى الداخل. الثورة الرابعة قادها الضباط الأحرار فى عام ١٩٥٢، الأمر الذى انتهى بتنازل الملك فاروق عن العرش وتحول مصر من ملكية إلى جمهورية. أما الثورة الخامسة فكانت تلك التى انتفض فيها الشعب المصرى فى ٢٥ يناير عام ٢٠١١. وهذه جاءت فريدة فى بابها على نحو لم يعرفه التاريخ المصرى المعاصر ـ لماذا؟
ردى أنها الثورة الوحيدة التى قام بها الشعب بكامله وبكل فئاته وأطيافه دون استثناء. فلا دعا إليها زعيم أو حزب أوقوة من أى نوع. وإنما دعت إليها مجموعات الشباب الوطنيين العاديين. وإذا كنا قد عرفنا دور محمد على باشا فى انتفاضة بداية القرن ثم دور عرابى باشا وبعده سعد زغلول باشا ثم دور مجلس قيادة الثورة وقيادته التى نصب لها اللواء محمد نجيب ثم آلت القيادة إلى جمال عبدالناصر. فإن أحدا لا يستطيع أن ينسب ثورة ٢٥ يناير إلى أى زعامة أو حتى مشروع سياسى. وإنما غاية ما يمكن أن يقال إن الشعب هو الذى تظاهرت جموعه داعية إلى إسقاط النظام وأنه هو الذى أسقطه وهو الذى استدعى القوات المسلحة التى فرضت على حسنى مبارك تنازله عن السلطة.
وإذا كانت هناك مقارنة، فربما كانت ثورة ١٩١٩ هى الأقرب إلى ثورة يناير، ولها منجزاتها التى ظهرت للعيان بأكثر مما ظهر فى أعقاب ثورة يناير. فالتشابه قائم بين الثورتين فى حجم الالتفاف الشعبى واسع النطاق الذى اقترن بذوبان الجميع فى بوتقة الثورة. لكن ثورة ١٩ أفضت إلى إلغاء الحماية البريطانية وإلغاء الأحكام العرفية وإصدار دستور ١٩٢٣ الذى أعقبه إجراء أول انتخابات نزيهة فاز فيها حزب الوفد ورأسها سعد باشا. ومن التداعيات المهمة لثورة ١٩ أن سعد باشا حين أرسى الأساس لتنظيم حزب الوفد فإنه أقام ظهيرا شعبيا تبنى مشروعه. كما أنها أدت إلى استدعاء المجتمع الذى أصبح قوة ثالثة لها يعمل لها حساب. الأمر الذى غير لمعادلة التى تحدث عنها أحمد لطفى السيد باشا حين قال فى بداية القرن إن فى مصر قوة شرعية ممثلة فى الخديوى وأخرى فعلية تمثلت فى الاحتلال البريطانى. وبعد ثورة ١٩ برز المجتمع كقوة ثالثة أثبتت حضورها فى الساحة.
تمنيت فى مناسبة الذكرى الخامسة أن يجرى حوار جاد حول النجاحات والإخفاقات، لكن ذلك لم يتحقق للأسف، بحيث لم نعرف مثلا ما الذى حدث منذ رفعت فى عام ٢٠١١ شعارات العيش والحرية والعدالة الاجتماعية، ثم أصبحت النداءات فى عام ٢٠١٦ تطالب بوقف الاختفاء القسرى وإدخال البطاطين والأدوية إلى سجن العقرب ــ وذلك سؤال أحاول الإجابة عليه فى حديث آخر.