تحدث عن القدس فقال: لماذا نترك القدس؟ إنها أرضنا في كل وقت وفي كل زمان، وستبقى كذلك؛ فهي من مدننا المقدسة، وتقع في أرض إسلامية، لابد أن تظل القدس لنا. توالت عليه العروض من أجل السماح بتوطين اليهود في فلسطين، كان يستطيع الموافقة، خاصة مع تدهور وضع الدولة العثمانية، لم تتوقف الضغوط والحديث عن سُبل الاستفادة من اليهود لخدمة الدولة العثمانية، لكنه رفض التنازل عن الأرض فقال: إنه لن يتخلى أبدًا عن القدس، فإن جامع عمر يجب أن يبقى بيد المسلمين دائمًا، فحظي باحترام الكافة، وعلى رأسهم تيودور هرتزل، حيث قال: لقد تأثرت بأقوال السلطان التي تتسم بالحقيقة والفخر، بالرغم من أنها تضع في الوقت الحاضر نهاية لكل آمالي(1)، هكذا كان السلطان عبد الحميد الثاني (1876-1909م)؛ لأجلها فقد عرشه، بل سطرت نهاية الدولة العثمانية؛ إذ كان السبيل الوحيد هو القضاء على عبد الحميد الثاني من أجل الوصول إليها، إنها القدس.

Image may contain: sky and outdoor

<img src=”https://scontent-lax3-1.xx.fbcdn.net/v/t1.0-9/24862327_2012345275677093_6758147855242901789_n.jpg?oh=f50bb971ed27e11dfecf0a274dc60df2&oe=5AD25E6B” alt=”Image may contain: sky and outdoor”>

لم يحفظ اليهود الجميل للدولة العثمانية؛ فقد حققت لهم العدل والمساواة والأمن في إطار نظام الملل؛ الذي حدد نسق التعامل بين الدولة العثمانية والأقليات بما ذلك اليهود،(2)حيث تمتعوا بالعيش الكريم وامتهنوا المهن المختلفة، ونجحوا في تكوين الثروات، فكان منهم الأطباء والتجار والصاغة … تمتعوا كسائر الأقليات بقدر كبير من الاستقلال الذاتي والإداري والطائفي، وعندما نخص بالذكر فترة حكم السلطان عبد الحميد، فنجد وصف الموسوعة اليهودية معاملته لهم بالطيبة، كما تحدث أرمينوس فامبري، وهو مستشرق يهودي هنغاري(3) في السياق ذاته؛ فذكر أن السلطان عبد الحميد هو أول حاكم تركي يمنح اليهود المساواة مع رعاياه المسلمين، تعامل مع الحاخام اليهودي كمعاملة كبار موظفي الدولة؛ إذ كان يُقدم له 8 آلاف فرنك في عيد الفصح، توزع علي فقراء اليهود، حيث بات تقليدًا مُتبعًا منذ وصوله للحكم، كما نذكر الجهود التي قُدمت لما يقرب من 6 آلاف عائلة يهودية عندما تعرض (حي حسنكي) في القسطنطينية لحريق هائل في محاولة للتخفيف عن الأضرار التي لحقت بهم.

هذا وقد وصف الحاخام إسحاق سارفاتي الدولة العثمانية بـ(البلد المبارك) في رسالته التي أرسلها لإخوانه عقب(4) طرد اليهود من فرنسا عام 1394 داعيَّا إياهم بمغادرتها؛ مما يجعل الدولة العثمانية ملاذًا لليهود الذين تم طردهم من أوروبا، حيث وصف القنصل البريطاني في الموصل وضع اليهود داخل الدولة العثمانية بقوله: إنهم كانوا يعيشون في الجنة. وفي السياق ذاته أجاب الحاخام التركي موسي ليفي عن سؤال السلطان عبد الحميد حول ما إذا كان لليهود شكاية ما أو تعرضوا للظلم، فكان جوابه: …نعيش بكمال ورفاه، حاشا لا توجد شكاية ما. يُذكر أن ليفي كان قد عرض على السلطان التنازل عن فلسطين مقابل إصلاح الوضع الاقتصادي للدولة العثمانية؛ وقد كان جوابه: إنكم تستفيدون من خيرات بلادنا كمواطنينا الآخرين، بل أنتم تنعمون أكثر من سواكم، أفأظنكم نسيتم الاضطرابات والعذاب الذي كنتم ترونه وأنتم في أحضان الدنيا… إني أحب تطبيق العدالة والمساواة علي جميع المواطنين، ولكن إقامة دولة يهودية في فلسطين التي فتحناها بدماء أجدادنا العظام (المسلمين)، فلا.

صورة ذات صلة

<img src=”https://www.knooznet.com/upload/05-2016/article/Jerusalem-41863.jpg” alt=”صورة ذات صلة”>

  فقد تعاملت الدولة العثمانية بوجه عام، والسلطان عبد الحميد خاصة، بتعاليم الإسلام في علاقتهم مع الأقليات، ونخص بالذكر اليهود، وهو ما كان قاسما مشتركا للدول الإسلامية على مدار التاريخ الإسلامي، وهنا نذكر ما قاله أحد رموز الصهيونية حاييم وايزمان في هذا السياق: إنني أفضل عدم اقتراف الظلم؛ لأن العالم الإسلامي يعامل اليهود بقدر كبير من التسامح… ويجب على اليهود ألا ينسوا ذلك. وقد حفظ وايزمان الجميل بدوره البارز في استصدار وعد بلفور1917!

ليبقى السؤال: أين المشكلة اليهودية؟ فهي ليست كما تحدث عنها هرتزل… ستُحل المشكلة اليهودية يوم يقوى فيه اليهودي على قيادة محراثه بيده. فالحل ليس الزراعة وأعمال الفلاحة التي انتقدها بشدة في كتابه (الدولة اليهودية)، حيث وصف محاولة تحويل اليهودي إلى فلاح بالخطأ الفاحش، فالفلاح حبيس طبقة تاريخية محددة (النظام الإقطاعي) وفق رؤيته، وهنا يأتي هذا السياق مُتسقًا مع ما تبناه السلطان عبد الحميد الذي لم يقتنع بادعاءات هرتزل عن حل المشكلة اليهودية، حيث رأى أنهم إذا توطنوا أرضًا سيطروا على (5) مقدراتها في وقت وجيز (وهو ما جسدته لنا سيطرتهم على مرافق الدولة العثمانية) فهم يريدون الأرض؛ تكوين حكومة وانتخاب ممثلين سياسين لهم، وهنا بيتُ القصيد: (السيطرة). فقد رأى السلطان عبد الحميد ضرورة الحفاظ على تفوق العنصر العربي في فلسطين، وأوقف كافة سبل الهجرة اليهودية إليها، وإلا نكون قد قضينا على أهل فلسطين، ونذكر قوله: نكون قد وقعنا على قرار بالموت على إخواننا في الدين.

e0afe98812.jpg

<img src=”https://www.knooznet.com/upload/05-2016/article/timthumb.jpg”>

فمنذ وصول السلطان عبد الحميد لسُدة الحكم، كان على دراية كاملة بالمخاطر التي تُحدق بالدولة العثمانية، وفي مقدمتها الهجرة اليهودية إلي فلسطين؛ ففي عام 1882 تقدمت جمعية أحباء صهيون التي تأسست على يد مجموعة من يهود روسيا اتخذت من مدينة أوديسيا الروسية مقرًا لها، إذ كانت معنية بالتاريخ والأدب اليهودي إلى جانب اللغة العبرية بطلبٍ إلى السفير العثماني بأوديسيا، حيث طالبوا بالسماح لهم بالهجرة إلى فلسطين والاستيطان بها، وذلك على خلفية اتهام اليهود عام 1881 باغتيال القيصر الروسي إلكسندر الثاني (1855-1881)، وكان الرد هو الرفض بأمر من السلطان عبد الحميد، بل أعقبه في العام ذاته فرمان سلطاني يقضي بمنع استقرار اليهود في فلسطين، مع السماح لهم بالاستقرار في أرجاء الدولة العلية، ولكن كرعايا عثمانيين يُطبق عليهم قوانين الدولة المعمول بها.

تعاقبت الفرمانات الصادرة كأداة لمنع استقرار اليهود في فلسطين، ففي عام1887 صدر الفرمان السلطاني بتحويل القدس إلى متصرفية تتبع مباشرة الدوائر الحكومية العثمانية؛ بُغية إحكام الرقابة المباشرة عليها، هذا وقد شهدت الفترة ما بين عام(1876-1888) وصول رؤوف باشا متصرفًا للقدس، وهو أحد أبرز الرجال الشرفاء الذين حرصوا على تطبيق الفرمانات المتعلقة بدخول اليهود فلسطين بصرامة وحزم، وهل كان هناك قصور وتلاعب في تنفيذها قبل وصوله؟ نعم؛ فقد شكل فساد الإدارة أحد أبرز العوامل التي اسُتغلت لتسلل اليهود إلى فلسطين، حيث كانت الهدايا (البقشيش، الرشوة) منتشرة بقوة، فكان يُقدم للمُتصرف بيانات وتقارير كاذبة حول أعداد اليهود الزائرين، وعودتهم بلا رجعة لأوطانهم، وذلك من قِبل عدد من موظفي ميناء يافا، وهو ما يعكس الفساد الإداري الذي كان السلطان على دراية به، لذلك جاء اختياره لرؤوف باشا.

هذا وقد تضمنت الفرمانات الصادرة خلال هذه المرحلة: عدم السماح لليهود بدخول فلسطين، إلا كحجاج أو زوار فقط، على أن يتم دفع (50 ليرة تركية) لقاء التعهد بالمغادرة خلال 31 يومًا، إلزام سفراء وقناصل الدولة العثمانية بعدم تقديم تأشيرات لليهود، سوى للزيارات الدينية فقط، ولفترة محدودة، يلتزم اليهود القادمون إلى فلسطين بتسليم الجوازات للسلطات العثمانية مقابل الحصول على (كارت أحمر) تنتهي صلاحيته بعد ثلاثة أشهر، وهو نظام استحدثه السلطان عبد الحميد في محاولة لمنع الاستقرار الدائم (الاستيطان) في فلسطين، كما تم تحريم بيع الأراضي الفلسطينية لليهود، حتى وإن كانوا من رعايا الدولة، وكان ذلك عقب زيادة شراء الأراضي من قِبل الجمعيات اليهودية.

نتيجة بحث الصور عن صور نادرة للقدس العثمانية

وبالرغم من ذلك استمر التسلل، وهنا تجلى دور قناصل الدول الأوروبية، التي اتخذت من معاهدة الامتيازات الأجنبية ذريعة لها للتدخل، فكان إثارة الأقليات ودعم تسلل اليهود، فلا شك في أهمية معاهدة الامتيازات ودورها في اتساع حجم الاقتصاد العثماني خلال مرحلة الازدهار والقوة، لكن مع بداية ما عُرف بالمسألة الشرقية، وما عُرفت به الدولة العثمانية بـ(رجل أوروبا المريض)، تحولت لأداة للتدخل في الشأن الداخلي، وهنا نتحدث عن الأقليات عامة، ونخص بالذكر اليهود الذين شكلوا القاسم المشترك لدى كافة الدول الكبرى، ففي عام 1838 طالب بامرستون وزير الخارجية البريطاني بضرورة أن تُقدم شكاوى اليهود للسلطات البريطانية، بدلًا عن السلطات العثمانية، كما وجد في دخول اليهود واستقرارهم في فلسطين فائدة كبرى للسلطان؛ فقبوله بلملمة شتات اليهود في آسيا وإفريقيا وأوروبا؛ سيؤدي إلى زيادة موارد الدولة وتطوير التقدم الحضاري بها، كما أعلن أن بلاده تتحمل مسئولية رفع الظلم والاضطهاد عن اليهود. هذا ولم ينقض العام حتى افتتحت القنصلية البريطانية في القدس عام 1838 لرعاية مصالحها ورعاياها، حيث كان اليهود في صدارة رعاياها، وسرعان ما حذت الدول الكبرى حذو بريطانيا، واحتدم التنافس الاستعماري فيما بينهم، يُذكر أن القنصلية البريطانية لعبت دورا رئيسا في تدفق اليهود كرعايا إنجليز إلى فلسطين بموجب الامتيازات الأجنبية؛ ليصبح اليهود محل رعاية الدول الكبرى داخل الأراضي العثمانية، لكنهم محل اضطهاد داخل الدول الكبرى، فباتوا أداة استخدمتها الدول الاستعمارية لتحقيق مآربها داخل الدولة العثمانية.

 انقضت هذه المرحلة برفض السلطان عبد الحميد تأسيس دولة يهودية في فلسطين، لكنها لم تكن النهاية، خاصة مع ظهور هرتزل، وتأسيسه للحركة الصهيونية.