لم تنتشر حالة الخمول الثقافي في الأوساط العريية؟ ولم لا يقرأ الشعب العربي أصلا؟ ولم معدل قراءة الأجنبي يفوق أضعاف قراءة أي مثقف عربي كما تشير بعض الإحصاءات، ولم تتضاءل مراكز الأبحاث في العالم العربي حتى تهم بالانقراض مقارنة بالمراكز الهائلة في العالم الغربي على كل الأصعدة، سواء العلمية أو الثقافية أو غيرها؟ أسئلة تطارد ذهن كل مثقف عربي مهتم بمسار الثقافة وحركة المجتمعات العربية ككل، ولأن هذه الحالة تشكل الخيبة الثقافية الكبرى لكل قارئ ومفكر، كان لا بد من طرح سؤال: لم؟

لا شك أن حالة الخمول الثقافي انتشرت عبر عوامل عدة، منها ضعف شيوع ثقافة القراءة على صعيد الأسرة والمدرسة والمجتمع والحكومة، أو حتى الأنظمة القمعية التي تحاصر الكاتب وتخنق الكلمة، ولكني هنا لأتجاوز كل ذلك وأسلط الضوء على ظاهرة واحدة، ألا وهي البؤس الثقافي.

تقول أحلام مستغانمي في رائعتها ذاكرة الجسد: لم يعد أحد يجلس إلى كتاب ليتعلم منه شيئا ما. لقد أصبح البؤس الثقافي ظاهرة جماعية وعدوى تنتقل إليك وأنت تتصفح كتابا. وصدقت شمس الجزائر فيما قالت: بعد أن خلقوا لنا أهدافا صغيرة لا علاقة لها بقضايا العصر، ووضعوا لنا ركاما من الأوهام، بات من خلالها حلم أي عربي هو أن يزيل عنه ذاك الركام، فكيف تريد من عربي غارق في مشكلاته اليومية أن يبني وطنا، أو يصلح مجتمعا أو أمة، وهو متخلف، ليس عن أوروبا فحسب، بل عما كان عليه قبل نصف قرن.

وكيف لك أن تقنع الناس بالمعرفة سبيلا للنهضة، أو بالعلم سبيلا للارتقاء، وهم يرون الفاسد يركب سيارته الفارهة، ويرون المثقفين بؤساء؟ إنه بات يدرك أن هذا الوقت هو وقت (الشاطرة)، وليس وقت العلم في زمن السنوات المعطوبة، أو كيف لك أن تنصح صديقا أن يفتح كتابا ويقرأ، أو تغري ابنك بمكتبة يبنيها.

فكل علمك وثقافتك واطلاعك كيف سيجدي في مجتمع غارق في مشكلاته المادية وأزمته النفسية المعقدة، ولا يهمه ماذا قال أفلاطون، ورد عليه سقراط، أو بم تكلم الغزالي وابن رشد إلى غير ذلك من تلك الهموم الثقافية، إن كل همه منصب في تأمين لقمة عيش زهدت الأنظمة العربية في تأمينها له كمواطن، إن همه لقمة تحفظ كرامته وكرامة أهله من التسول للناس،
وما نفع كل ثقافتك وعلمك إن كانت ستفضي بك إلى وظيفة أشبه بعبودية تحت إشراف مدير جاهل لا علاقة لمنصبه بما يحمل رأسه من علم، بل بما تحمل يديه من واسطات.

أما من انقطع عن دراسته ليعيل أهله، فكيف تخبره بقيمة العلم، وهو يرى آلاف الشهادات علقت على الحائط، ونزل أصحابها إلى ورش العمل تاركين رفوف مكتباتهم للغبار يعبث بها على طريقته، أما الأحلام! فنحن يا صديقي شعب محدود الدخل محدود الأحلام، فعن أي أحلام وأهداف تتحدث! فلا أحد يدري ما هدفه في هذه الحياة، ولا أحد يعرف ماذا يريد بالضبط، ولا لم أتى، ولا إلى أين سيصل، وكأن لعنة أصابته؛ فأخرجته لهذا العالم، وأدخلته في دوامة لا ينفك عنها سوى بالموت.

وإلا كيف تفسر أن يكون جل هدف العربي الزواج والاستقرار! فأن يكون الزواج هو مسار من مسارات الحياة، فذاك أمر طبيعي، أما أن يغدو الهدف الأول والأكبر فتلك طامة العربي، وبما أن الزواج واجب فمقدمته واجبة من بيت ومال وسيارة وغيرها، فهل للكتاب اليوم تأمين كل ما ذكر، وماذا سينفع المثقف كل ما حفظه من أشعار نزار، والسياب، وعنترة، وقيس، أو كل ما أخذه من محفوظ، والرومي، والرافعي، وغيرهم في زمن يعج بالمادية، لقد اختلت الموازين اليوم.

نحن يا صديقي متعبون، أهلكتنا الحياة اليومية وتفاصيلها المعقدة، فعن أية حياة ثقافية تتحدث، لقد بات همنا الحياة لا غير، وعلى حد تعبير أحلام مستغانمي: لقد تحولنا إلى أمة من النمل، جل همها أن تجمع قوت يومها، وتختبئ في حجرتها مع أولادها.

إنه زمن السنوات المعطوبة في العالم العربي يا صديقي، الذي باتت فيه الحقوق أحلاما! زمن لا يعطي للعلم قدرا، إلا في المؤتمرات والندوات، ولا يحترم مثقفيه إلا عند رثائهم، إن أمة لا تحترم علماءها، ولا تذكرهم إلا في المآتم، أمة لا سبيل لها إلى العالم، ولا طريق لها للحياة.