قلّما يجود العالَم بمثل «ابن سينا»؛ فهو عالمٌ في الطب والرياضيّات والفلك والموسيقى والفلسفة والمنطق، بالإضافة إلى كونه شاعرًا، عاش بالقرنين الرابع والخامس الهجريين، وهو فارسيُّ الأصل، ولد بالقرب من «بخارى»، وأتمّ حفظه للقرآن قبل بلوغه العاشرة.

وبالإضافة إلى ذلك فهو يُعدُّ من أشهر ملاحدة تاريخنا العربيّ الإسلاميّ، واتّهمه الكثيرون بالزندقة والخروج عن الدين الإسلاميّ، وبثّه لأفكارٍ مسمومة فاسدة داخل الدين قد تلقّفها من فلاسفة الإغريق، أمثال سقراط وأرسطو، وألبسها ثوب دين الإسلام، وهي الشرُّ في ذاتها.

وننوّه هنا إلى أن كلَّ من أُطلق عليهم لفظة ملحد من أعلام حضارتنا ليسوا كذلك، إذا ما عرّفنا الإلحاد على أنّه إنكار وجود الذات الإلهيّة.

فجميع من اتهموا بالإلحاد في تاريخنا أمثال أبي المعرّي وابن سينا والرازي وغيرهم، كانوا يؤمنون بوجود إله مبدع قد أوجد هذا الكون، وإنّما كانت آفتهم هي أنّهم لم يُقيموا ما هو معلوم من الدين بالضرورة، وعدم احترامهم للمقدّس، وذهب البعض إلى نفي وجود أنبياء أو رسالات سماويّة، وأن الله لا يحتاج إلى وسطاء أو رسل للتبليغ.

وأقرَّ عددٌ من علماء الإسلام الكبار كفرَه أمثال ابن تيمية والغزّالي، وعدَّ كثيرٌ من العلماء المعاصرين إطلاقَ اسمه على المدارس والمستشفيات فعلًا لا يجوز، وأنَّ ذِكر أسماء كتبه ومؤلفاته تكون على سبيل الذمّ لا المدح أو التبجيل.

وكانت أفكاره واعتقداته التي تطرّق إليها هي ما دعت إلى عدّه من الملحدين أو الزنادقة، نورد بعضًا منها:

قِدَم العالَم

فقد ذهب إلى ما اعتقده فلاسفة الإغريق أمثال أرسطو إلى قدم العالم، وهو بذلك يُخالف القول بأن القدم أو الأزليّة هي من صفات الله سبحانه وحده. والمراد بقوله أزلي هو أنّه غير حادث في الزمان، وبالتالي لا يصح السؤال: متى خُلق الكون؟ لأن كونه أزليَّا ينفي عنه كونه مخلوقًا.

إنكار بعث الأجساد

نفى «ابن سينا» وجود قيامة حسّية وخروج الأبدان من القبور يوم الميعاد، كما نفى وجود نار حسّية أو جنة وحور عين وما شابه. وأن كل هذه الأمور إنما هي ضُربت أمثلةً لعوامِّ النّاس وجهّالهم، ترغيبًا في الطاعة وعمل الصّالحات. ويرى «ابن سينا» أن النفس جوهرٌ روحانيُّ مستقلٌ عن البدن، وهي وحدها التي سيشملها الثّواب والعقاب، وما البدن إلّا مطيّةٌ لها.

علم الله بالجزئيات

كان «ابن سينا» – ومثله الفلاسفة المشّاؤون – يعتقد بعلم الله الكلي الذي لا يشمل الجزئيّات، وكان هذا ممّا أوقعه في مأزقه الكبير. وبالرغم مما قيل فيه وما رآه العلماء من سوء المعتقد، إلّا أن «ابن سينا» برهن عقليًّا على وجود ذاتٍ إلهيّة تعنى بالكون وتتعالى عن الموجودات. ويعتمد برهانه هذا على تقسيم الأشياء الموجودة في الكون أو التي يمكن للعقل أن يتصوّرها إلى ثلاثة أقسام:

واجب الوجود

وهي الأشياء التي يقتنع بها العقل، ولا يطرأ عليها أي تغيّر، فعند قسمة 10 على 3 سيكون الناتج المتوقع كسرًا ولا يمكن القول بأنه رقم صحيح أو الجزم على ذلك.

ممكن الوجوب

وهي الأشياء التي تدور بين ممكن الحدوث والمستحيل، أو الأشياء التي يمكن للعقل أن يتصوّرها وإن كانت عدمية في اللحظة الراهنة، كقولنا مثلًا إن الغراب أسود، فهذا لا ينفي إمكانيّة تصوّرنا لغراب أبيض، وهنا يتوجب الإشارة إلى أن المراد من قولنا «ممكنًا» هو وقوعه داخل داثرة الممكن العقلية، وليست العلمية.

ممتنع الوجوب

والمراد بها الأمور التي يستحيل على العقل التصديق بها، كاجتماع النقيضين أو القول بأن الجزء أكبر من الكل.

وبناءً على تقسيمه السابق، فإن ممكنات الوجود تحتاج إلى علة لوجودها، فالنقطة «أ» مثلًا تحتاج إلى علّة أو سبب لوجودها، ولتكن النقطة «ب» وهذه النقطة تحتاج إلى علة أيضًا إلى أن نصل إلى «العلة الأولى» أو المُوجد الأول وهو الخالق.

وردّ على من يعتقدون بأبدية التسلسل واستمراره إلى ما لا نهاية، أن هذا منافٍ للعقل، لأنه إذا استمر التسلسل فإننا لن نصل إلى شيء، ولن يكون هناك ممكن أو موجود؛ لأن وجوده يعتمد على ممكن آخر معتمد على غيره وهكذا.

وبهذا نجد أن «ابن سينا» رجلٌ صاحب عقليّة فذّة، وذكاءٍ خارق، أصاب في أشياء وأخطأ في أخرى، وكان نجمًا مضيئًا في سمائنا المظلمة.