مفردة «الققجة» منحوتة لغوية طريفة تعارف عليها الأدباء في أحاديثهم للإشارة إلى فن حديث الولادة، وهو فن القصة القصيرة جدًا، واختصارًا لها تكتب الـ(ق.ق.ج) فصار الجمع منها ققج، وواحدتها ققجة. ذلك الفن الذي انقسم النقاد في أمره إلى فسطاطين، بين موافق ومعارض، ومع هذا فقد سار حثيثًا في طريقه، فصار له ندوات (يتعكظ) فيها الأدباء، ومجموعات قصصية تلفظها المطابع كل يوم، فقد تساوق مع إيقاع العصر الذي تسارع وراجت فيه ثقافة المستهلَك السريع مثل الكبسولة.

وبالرغم من قصر الققجة فهي تتطلب شروطًا ومعايير صعبة، وكثيرًا ما ينظر إليها الكتاب على أنها سهلة الكتابة، لكنهم يتفاجأون بصعوبة نسجها، فهي على قلة مساحتها ومحدودية كلماتها، لكنها من أصعب الفنون بشهادة أهل الشأن من كتاب ونقاد.

يعتبر الإيجاز والتكثيف والحكائية من شروطها، والمفارقة والوحدة والشخصيات، ثم يجب أن تنتهي بالقفلة أو الخاتمة المدهشة التي تباغت القارئ بما لم يخطر بذهنه. الققجة أو الومضة الحكائية، كما يطلق عليها البعض، ينبغي أن تترك أثرًا مدهشًا يماثل دوي رصاصة أو صعقة كهرباء.

من يقرأ في شعر أحمد مطر يلحظ تداخل القصص القصير جدًا بالشعر، حيث نجد الشاعر يضع في بعض قصائده ققجًا مشحونة بحمولات دلالية يقوم بإسقاطها على الأوضاع السياسية للدول العربية في شعره الرسالي الذي اشتهر به، ومن تأثير هذه الرسائل القوية، ووقعها على الساسة، أن صار منفيًا إلى خارج وطنه العربي الكبير، ليواصل رسالته من مدينة الضباب لندن منذ ثمانينات القرن الماضي.

اخترت 10 ققج من قصائد أحمد مطر لعرضها في هذا المعرض، وبالرغم من أنه كتبها منذ عقود، فهي ما زالت واصفة للأحوال التي لا تتبدل في وطننا العربي، إلا إلى الأسوأ.

(1)

ليس ثرثارا.
أبجديتهُ المؤلّفة من حرفين فقط
تكفيه تماما
للتعبير عن وجعه:
( طَقْ ) ‍!

(2)

حَلقوا وجهَه.
ضمَّخوا صدرَه بالدُّهن.
زرّروا أكمامَهُ بالمسامير الفضّية.
لم يتخيَّلْ،
بعدَ كُلِّ هذهِ الزّينة،
أنّهُ سيكون
سِروالا لعورةِ منـزل !

(3)

المفتاحُ
النائمُ على قارعةِ الطّريق ..
عرفَ الآن،
الآن فقط،
نعمةَ أن يكونَ لهُ وطن،
حتّى لو كان
ثُقبا في باب!

المقاطع السابقة من قصيدته حديث الأبواب، ذات اللغة الرمزية التي اتخذها سبيلا لتوصيف الأوضاع العربية ونقدها بأسلوب ساخر لا يخلو من المرارة، فجعل المواطن بابًا لمنزل يمثل الوطن. ثم يشير إلى عبودية الأبواب بعد أن كانت أشجارًا حرة في غاباتها.

كُنّا أسيادًا في الغابة
قطعونا من جذورنا
قيّدونا بالحديد
ثمّ أوقفونا خَدَمًا على عتباتهم
هذا هو حظّنا من التمدّن

لكنه مع تعاطفه مع المواطنين أو أبواب الخشب في ترميزه، فهو يقف على طرف النقيض مع أبواب الحديد التي تمثل الحاكم والمسئول والسجان والجلاد والمخبر الذين تمتلئ أشعاره بذمهم.

مُشكلةُ باب الحديد
أنّهُ لا يملِكُ
شجرةَ عائلة !

(4)

قرأتُ في القُرآنْ:
تَبَّتْ يدا أبي لَهَبْ
فأعلنتْ وسائلُ الإذعانْ:
إنَّ السكوتَ من ذَهَبْ
أحببتُ فَقْري.. لم أَزَلْ أتلو:
وَتَبْ
ما أغنى عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبْ
فصُودِرَتْ حُنْجرتي
بِجُرْمِ قِلَّةِ الأدبْ
وصُودِرَ القُرآنْ
لأنّه.. حَرَّضَني على الشَّغَبْ !

(5)

كنتُ أسيرُ مفـردًا
أحمِـلُ أفكـاري معـي
وَمَنطِقي وَمَسْمعي
فازدَحَمـتْ
مِن حَوْليَ الوجـوه
قالَ لَهمْ زَعيمُهم: خُـذوه
سألتُهُـمْ: ما تُهمتي؟
فَقيلَ لي:
تَجَمُّعٌ مشبــوه!

(6)

رأيت جرذًا
يخطب اليوم عن النظافة
ويُنذر الأوساخَ بالعقاب
وحوله
يُصَفّقُ الذُّبابْ!

(7)

وجوهكم أقنعة بالغة المرونة
طلاؤها حصافة، وقعرها رعونة
صفق إبليس لها مندهشا
وباعكم فنونه
وقال:
”إني راحل، ما عاد لي دور هنا،
دوري أنا أنتم ستلعبونه

(8)

صارَ المُذِيعُ خارِجَ الخَريطَهْ
وصَوتُهُ
ما زالَ يأتي هادِرًا :
نَسْتَنْكِرُ الدُويلَةَ اللقيطَهْ!‌‍‍‍‍‍ ‍‍‍‍

(9)

حينَ وقفتُ ببابِ الشِّعْر
فَتَّشَ أحلامي الحُرَّاسْ
أمَروني أنْ أَخْلَعَ رأسي
وأريقَ بقايا الإحساسْ
ثم دَعَوني أنْ أكتُبَ شِعرًا للناسْ
فخلعتُ نِعالي في البابِ
وَقلتُ:
خلعتُ الأخْطَرَ يا حُرَّاسْ
هذا النعلُ يدوسُ
ولكِنْ..
هذا الرأسُ يُداسْ!

(10)

صَرَخْتُ: لا
من شِدّةِ الألَمْ
لكنْ صدى صوتي
خافَ منَ الموتِ
فارتدَّ لي: نَعَمْ !

كان هذا ما اقتبسته من دوواين أحمد مطر، توقيعات موجزة ذات وزن ثقيل في أغراضها وجرأتها، وذات رسالة واضحة تخاطب الجمهور حتى مستوياته الدنيا، فشعر أحمد مطر أجده يشترك مع شعر نزار قباني في هذه الصفة، فنزار يتغزل بشعر يفهمه كل الناس، وأحمد مطر كذلك تجد صبغة أشعاره ذات وضوح ومباشرة، لذا تربع كلاهما على قمة الشعر بمراهنتهما على الجماهير، لا على نخب المثقفين.