«أحب التسكع والبطالة ومقاهي الرصيف. ولكنني أحب الرصيف أكثر، أحب النظافة والاستحمام، والعتبات المصقولة وورق الجدران».

كان هذا ما ختم به الشاعر السوري محمد الماغوط عن أرصفة طرق الشوارع التي مر بها لدرجة الهيام والعشق بها كما قال: على هذه الأرصفة الحنون كأمي أضع يدي وأقسم بليالي الشتاء الباردة.

في الحقيقة كنت أرى في أرصفة الطرق التي أجلس فيها الكثير من الدفء كما ينعم فقير حول نيران المهملات في دفء. في الحقيقة إنني مثل محمد الماغوط أحب التسكع على أرصفة الطرق.

بداية ظهور الأرصفة

الحضارة الرومانية القديمة كان لها دور في بناء الأرصفة وإن عنوان مدينة شوارعها وأرصفته. فباريس عاصمة الجمال وأصل الفن الأصيل متجذرًا في أروقة التاريخ العظيم بكل قدسيته. ففتن بها شعراء أوروبيون كثر بودلير مثلًا فكان دالًا على عظمتها وجمالها بكل روعتها وفنها. لدرجة أن الرئيس الفرنسي جاك شيراك عندما كان عمدة المدينة أمر بتجديد الأشجار في شوارع فرنسا بمبلغ 600 ألف دولار.

الأرصفة في البلاد العربية

مزدحمة تحتوي زحام العبارين لا تطيق أحدًا أن يقف، جميعهم موتى يذهبون إلى أعمالهم. لكن من يوجد على الأرصفة باعة يطلقون السباب ومرات يبيعون الفاكهة والخضروات. لم أجد رصيفًا في بلدي مصر يستحق أن يقال عنه إنه يحتوي الفن المصري الأصيل. لم أجد حياتي وأني أعيش فعلًا إلا في سور الأزبكية بالقاهرة. أمام باعة يتجادلون في أعمالهم وزوجاتهم اللائي لا يتركنهم في حالهم، لا فن لا حياة في مجتمع يسحق آدمية الفرد وحريته. ففي التاريخ العربي أحضر الخديوي مهندسًا فرنسيًا اسمه (هوسمن) من أجل تخطيط مدينته في مصر وتصميم مرافقها لدرجة جعلت تسميتها باريس الصغرى. بسبب شوارعها المتشابهة الضيقة، ففي البلدان العربية لا مكان لهذه التفاهات فنحن نشجر المدينة عندما يحضر رئيس عربي أو قائد مغوار إعلامي، ونجعل المدينة كما كانت عند رحيله.

في سور الأزبكية وهو أشبه بمكان فيه بائعو الكتب إما القديمة أو المقلدة مثال لضيق حيز الثقافة في بلد مثل مصر دون أي نظام أو حتى قانون محترم يعطي للأرصفة حق أن تخطو فيها ناس بحريتها. دون قيد أو شرط. فالرصيف الوحيد في مصر الذي يتيح الثقافة لأهل القاهرة هو ذاك المنفذ لا غيره.

الأرصفة في البلاد الغربية

ساحة نظيفة تجعلك تقتاد من دخلك على ما تعطيه للناس من فنون. فهناك في الأرصفة مساحة للكتب ومساحة أخرى للفنون ولرسم الأشخاص. ومساحة للموهوب في آلات العزف ليحصل على عرق جبينه من موهبته، فلكل شيء مساحته، التجار يعرفون حدود محلاتهم والمقاهي تعرف أين تضع أشياءها في انتظام وعدم الخروج عن القانون الصارم. أتابع دائمًا حال الدول الغربية وكيف هي شوارعهم، لن تجد المعلم العربي بجلبابه وصبيه والناس على المساحة المسموحة لهم في الحي مع رئيس المدينة. فكل شيء بالمال سهلة إباحته. فكل دولة لديها مرايا من جمال الطريق ترى نفسك فيه. أفكر أن بلدًا مثل إسرائيل التي لم تفق من مشاكل النزاع حول القدس ضرب عليها الغزيون صاروخًا على أحد شوارعها فلم يخدش الطريق من فرط قوته وجماله سوى بعض الهالات السوداء عليه.

فهناك فنانون متسولون في البلاد الغربية يكسبون رزقهم بعرض مواهبهم الفنية على المارة، حتى الهنود الحمر كانت لهم صور عندما يقومون بعرض تراثهم الموسيقي على المارة بملابسهم القديمة دون أي تمدن ولا حداثة. هذا ما ظهر في فيديو لقناة الجزيرة للموهوبين الجدد.

الخلاصة أن لكل دولة أرصفتها ومبانيها وعجبائها لكن ما يحدد بلدًا مثل مصر تجعلك تسأل لماذا نخترق حدود أماكن العمل ليتحول الرصيف لساحة باعة يستولون على رصيف من أجل لقمة العيش. بينما دول أخرى لديها متسولون في عرض مواهبهم من أجل الفن ومن أجل لقمة العيش يقومون بعرضها على رصيف بلادهم. لكن الفرق أن كل شخص لديه الحرية في أن يعيش حياة دون تدخل فيما يعنيه أو يحدد شكل المكان وهويته.