1ab5eab9-f310-4e75-a3e0-ef21a6404c21.jpg

مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

معن البياري

معروفة عن وديع فلسطين محافظته، ومناهضته الناصرية والإخوان المسلمين معا، غير أنه معروفٌ بتهذيبه، وبلغته العربية العالية، ورقيّ مفرداته. وبذلك يصير مستبعدا أن يختار عنوانا لكتابٍ يؤلفه “إخوان الشياطين”، يصلح شتيمةً ولا ينفع اسما لمذكّرات.

كل الحق مع الشاعر الكاتب، شعبان يوسف، في وصف حادث اعتداء ملثّمين مجهولين على الكاتب والصحافي العتيد، وديع فلسطين، في منزله في القاهرة، كارثيّا، فمن الخطير أن يضم المجتمع أفرادا ينعدم لديهم الحس الإنساني، إلى درجة استخفافهم بحياة رجلٍ في الرابعة والتسعين عاما، يعيش وحيدا في منزله، بإيذائه بالضرب. وإذ يرقد الكاتب الكبير على سرير الشفاء، فإن المتمنّى أن يتعافى سريعا، ويعود إلى عزلته، فيمكن لكثيرين من كتّاب مصر ومثقفيها زيارته، للاعتذار له “من الزمن والوحدة والغياب”، كما اقترح شعبان يوسف. وفي ملابسات الحادثة المريعة التي تعرّض لها “الأديب المكين”، بحسب وصف عباس العقاد له، كان عجيبا من الكاتب المصري، لويس جرجس، أن يخمّن من عندياته، متطوّعا، أن عناصر من جماعة الإخوان المسلمين (الإرهابية بتعبيره) هم المرجّح أنهم اقترفوا الجريمة، لأنهم سرقوا في أثنائها مذكراتٍ كتبها وديع فلسطين عن لقائه مع مؤسس الجماعة حسن البنا، عنوانها “إخوان الشياطين”. وحده جرجس (زوج الممثلة سناء جميل) انفرد باجتهاده البوليسي هذا، فيما تحقّق النيابة العامة في الواقعة، ونُقل عن مصادر فيها قولها إن السرقة هي، على الأغلب، الباعث على ارتكاب الأيدي الآثمة ما ارتكبت. وكانت المشرفة على منزله قد قالت إن لصوصا سرقوا، قبل يوم من ليلة الاعتداء، من الكاتب، ألف جنيه مصري احتيالا. ولم يكن غريبا أن تتلقف مواقع وصحف مصرية (وإماراتية) ما نطق به جرجس، لتصنع منه اتهاما للإخوان المسلمين باقتراف الاعتداء الشنيع على شيخ الصحافيين المصريين.
معروفةٌ عن وديع فلسطين محافظُته، ومناهضتُه الناصرية والإخوان المسلمين معا، غير أنه معروفٌ بتهذيبه، وبلغته العربية العالية، ورقيّ مفرداته. وبذلك يصير مستبعدا أن يختار عنوانا لكتابٍ يؤلفه “إخوان الشياطين”، يصلح شتيمةً ولا ينفع اسما لمذكّرات صحافي تعلّمت على يديه أجيالٌ في الجامعة الأميركية (وغيرها) الصحافة، وهو أستاذٌ محترفٌ في المهنة. وهذا الكاتب لسيرته والعارف بمشاغله، صلاح رشيد، يفيد بأن الرجل متوقفٌ عن الكتابة منذ عامين، بسبب تقدّمه في السن وضعف بصره. وحتى لو افترضنا أنه كتب مخطوطا ضد الإخوان المسلمين، فهل هذا يعني تلقائيا أن زعرانا منهم جاهزون للإقدام على فعلةٍ شنيعةٍ كالتي بوغت بها أديب الصحافيين وصحافي الأدباء. ولأنه ليس من مهمة كاتب هذا التعليق أن يزاول “تحقيقا” جنائيا في أمر جريمةٍ ملتبسة، فإنه لا يعمد هنا إلى تبرئة هذه الجهة أو إدانة تلك، لكنه يشارك زملاء كثيرين، في مصر، تشديدهم على وجوب أن تسرع جهات الأمن والتحقيق والتحرّي المختصة في جلاء كل ملابسات الجريمة، وتقديم الجناة إلى ما يستحقّون من قصاص.
ولأن الشيء بالشيء يُذكر، فإن في وسع واحدِنا أن يتذكّر أن المنزل الريفي للراحل محمد حسنين هيكل (نال كما وديع فلسطين جائزة الملك فاروق للصحافة ثلاث مرات) تعرّض لهجوم شنيع، وتخريب كثير من محتوياته وإتلافها، وقد سارع الكاتب الشهير إلى “الاشتباه” بمسؤولية جماعة الإخوان المسلمين عن الفعلة المُدانة، وذهبت منابر إعلامية غير قليلة إلى اتهامهم، غير أن تحقيقات السلطات المختصة لم تصل إلى أي اتهامٍ لأي أحد منهم أو من غيرهم، ما يعدّ مثيرا للعجب، والاستهجان المستنكر، ففي مصر مؤسسات أمنية وبوليسية عتيدة، من المفترض أنها على كفاءة مؤكّدة في جلاء جريمةٍ من هذا اللون. وسيكون مبعث استغرابٍ غزير أن يظل المعتدون الذين كادوا يقتلون وديع فلسطين مجهولين إلى ما شاء الله من زمن، ليبقى الاشتباه بجماعة الإخوان المسلمين ذائعا، ويُزاد ويُعاد بشأنه كيفما اتفق، وليس على الكلام أي جمركٍ في فضائيات وصحف ومواقع مصرية (وإماراتية) بلا عدد.
كان المأمول أن يُستعاد اسم وديع فلسطين في الصحافة بمناسبةٍ أخرى، وهو المصري الصعيدي القبطي المؤمن بالانتساب إلى أمته العربية، والمحبّ للشام والشوام، وللبنان واللبنانيين، والذي كان يعتزّ باسمه الذي يأخذ سامعه إلى فلسطين. حماه الله.

إعجاب تحميل...