كنت صغيرا جدا عندما قرأت اسم «زكى نجيب محمود»، للمرة الأولى، فى جريدة (الأهرام) أواخر الثمانينيات من القرن الماضى، صورته محفورة فى ذاكرتى، ملامحه ذات رهبة وصرامة مبطنة بطيبة، ونظارتاه ذات العدسات السميكة تبتلع أغلب مساحة الوجه. لم أكن أفقه حرفا مما هو مكتوب أمامى سوى كلمات بسيطة كنت أستشعر على نحو مبهم أنها مهمة، وأنه سيأتى أوان استيعابها فيما بعد.. هكذا انحفرت فى نفسى مبكرا كلمات؛ مثل: الفكر العربى، التراث، الثقافة الإسلامية، الفلسفة، مراجعة نقدية، أزمة حضارية، وعى ذاتى.. إلخ.

كانت هذه بداية تعرفى على اسم المفكر الراحل د. زكى نجيب محمود (1905 ــ 1993)، لتمتد هذه الرحلة وتتعمق كل عدة سنوات بمزيد من القراءات، والاقتراب من أعماله المهمة، ولأتيقن من محورية دوره الفكرى والنهضوى فى الثقافة العربية طيلة القرن الماضى.

لكل هذا، فإن سعادتى غامرة فعلا بصدور هذه الطبعة الأنيقة من السيرة الذاتية الكاملة لـ د. زكى نجيب محمود عن دار الشروق؛ ثلاثيته المشهورة «قصة نفس» (1965)، «قصة عقل» (1984)، و«حصاد السنين» (1991). هذه الثلاثية التى أعدها من أهم وأقيم السير الذاتية فى الثقافة العربية، ومن أكثرها فائدة وإثارة للفكر والشعور وتحفيز الإرادة والحث على طلب العلم والمعرفة.

قرأت هذه السيرة البديعة وأنا فى الجامعة، واستوقفنى بشكل لافت القدرة التحليلية الفائقة للرجل؛ تأملاته ومراجعاته النافذة لرحلته الفكرية والمعرفية، ومساءلات عقله المتوهج الذى لا يتوقف ولا يكف عن المراجعة والنقد والتأمل والتحليل.
كتب زكى نجيب محمود «قصة نفس» وهو فى الستين من عمره، وأوضح فى مقدمته أنه بناها على مبدأ فنى ارتآه لنفسه إذ ذاك، وهو أن يروى قصة تلك النفس من الباطن لا من الظاهر؛ بمعنى أن يكون محور الاهتمام بالخلجات الداخلية قبل أن يكون بالأحداث الخارجية؛ فتلك الأحداث الخارجية على مرأى من الناس ومسمع، وأما التأثرات الداخلية التى استثارتها تلك الأحداث فى دخيلة النفس، فتحتاج إلى بصيرة نافذة إلى العمق.

ثم جاءت «قصة عقل» بعد 20 سنة لتستدرك ذلك الجانب الذى سقط من الحساب فى «قصة نفس»؛ أى ما عناه المفكر الراحل بـ سيرة «العقل» فى حياته، العقل الذى كان أداة الدرس والتحصيل، وهو الذى ظل طوال سنوات النضج يتصيد «الأفكار» من عند الآخرين حينا، وحينا يعمل على توليدها فى ذهنه، وهو الذى تولى الكتابة فيما كتبه، حتى لو كان المكتوب أدبا خالصا، فلقد كان الأدب الذى أنتجه زكى نجيب محمود من النوع الذى يستبطن «أفكارا» فى أطر يقيمها لتصلح حاملا لها.

يقول صاحب السيرة: «منذ أن أحسست بغياب الحياة العقلية من «قصة نفس» نشأت عندى الرغبة فى أن أعقب على «قصة نفس» بتوءم لها أسميه «قصة عقل»، ولبثت تلك الرغبة حائرة، تظهر لحظة لتعود فتختفى، حتى أراد لى الله توفيقا فأخرجتها إلى دنيا الناس».

وقبل وفاته بعامين فقط، خرج زكى نجيب محمود على الناس بالجزء الثالث وهو «حصاد السنين» والذى يقطر فيه زكى نجيب محمود سيرته، بوصفها شهادة على الحياة المصرية الثقافية من منظور مواطن مصرى عربى «شاءت له فطرته أن يجعل من تحصيل العلم وكسب الثقافة مهنته». وهى شهادة تمتد من أواخر العشرينيات من القرن العشرين حتى لحظة صدور الكتاب، فتستوعب ثلاثة أرباع هذا القرن بكل ما اشتمل عليه من أحداث وتغيرات على المستويين المحلى والعالمى على السواء. وهذه الفترة تجسد حياة الكاتب العقلية، وتطوره الفكرى فى ثلاث مراحل كبرى هى: مرحلة التعرف على الحياة الفكرية والثقافية، ومحاولة الاندماج فيها، وهى المرحلة التى استغرقت أواخر العشرينيات والثلاثينيات من القرن. 

والمرحلة الثانية هى مرحلة الارتحال إلى الغرب فى بعثة دراسية إلى إنجلترا لمدة أربع سنوات، تعرف من خلالها على «الآخر» الغربى، الذى كشف لـ «الأنا» عن تخلفها، وحدد لها من ثم منظور رؤية ذلك التخلف. وفى هذه الرحلة أيضا أمكن لمفكرنا أن يرى ثقافته من بعيد، وأن يرصد من ثم إيجابياتها وسلبياتها. والمرحلة الثالثة هى مرحلة الانخراط فى الحياة الثقافية والفكرية خلال عقدى الخمسينيات والستينيات، حيث أسهم زكى نجيب محمود فى عضوية العديد من اللجان الثقافية والفنية بالإضافة إلى رئاسته تحرير مجلة «الفكر المعاصر»، ودوره أستاذا للفلسفة بكلية الآداب. 

هذه الطبعة الجميلة ستكون حافزا رائعا على معاودة قراءتها والتمتع باستعادة تفاصيلها واسترجاع ما دونته من ملاحظات وأفكار حولها..