مُنذ مطلع القرن الثامن عشر، لم تقع في أوروبا ثورة جديّة لم تسبقها أزمة تجاريّة وماليّة. ماركس في جريدة نيويورك دايلي تريبيون 1853

تمهيد

المقال سيسلط الضوء على إمكانية مواجهة قرار ترامب من خلال إنشاء قاعدة شعبية مستدامة تطالب بحقوقٍ سُلبت، تقف شامخة صلبةً، حتى تنتزع ما سُلب منها عنوةً وجهارة. هذا الإنشاء يكون من خلال فهم الأحداث وقراءة الواقع من خلال منهج واقعي يستمد أدواته من علاقات الطبقة الاقتصادية والقوى البنيوية. ثلاثة ردود فعل عربية وإسلامية نجحت في تركيب رّد فعل لا يخلو من بعدٍ روحاني ولكن تمت بلورته من خلال إطار الواقع المادي وتشابكهِ الطبقي وصراعات القوى في المنطقة، والكشف عن ملامح الصراع المادّي. الغاية من المقال كشف وإعادة ترتيب المواقف وردود الفعل في منهجية واقعية ليكون للشعوب تطلع للنضال، والتحرير من خلال رؤية الواقع وكيفية تحويل الهزيمة لانتصار، هذا لن يتم دون تبديل الخطابات المُتعالية عن معتركِ العيش وتناقضات الواقع.

ثلاثة ردود فعل تأتي في تسلسل جيوسياسي: الإمام الخامنئي ردّ فعل يُعطي أهمية لقراءة توازن القوى في المنطقة، وفهم آثار الصراع في اليمن، والعراق وسوريا ورجاحة الكفة لمحور المقاومة وإفشال مشاريع الهيمنة الأمريكية على المنطقة بمساعدات سعودية، صهيونية. الانتصارات المُتتالية تؤدي لهذا النوع من اليأس وإصدار قرار تعسفي لا يحترم أية ميثاق ويكسر الاتفاقات. محمود الزهار القيادي في حركة حماس عن لامبالاة الدول العربية بما يحصل من انتهاكات للشعب الفلسطيني وحتى الشجب والاستنكار يصعب عليهم، وابتعادهم عن الشعب الفلسطيني وقربهم من دولة الاحتلال، وفي سياق هذا القرار يطالبهم في بالاقتراب والاكتراث. التفسير البنيوي-الواقعي للحالةِ العربية وإمكانية دعم الشعب الفلسطيني. رد فعل سماحة السيد حسن نصر الله في كلمةٍ عن قرار ترامب، تمحور في كلمتهِ حول المقدسيين، الإنسان الفلسطيني العامل والفلاح، عن تداعيات القرار على أملاكهِ، وبيتهِ، وأرضهِ.

رد الفعل الأول: الإمام الخامنئي

«إعلان القدس عاصمة للكيان الصهيوني ناتج عن عجز الأعداء» .مؤتمر الوحدة الإسلامية، السادس من ديسمبر (كانون الأول)

في هذه الكلمات يبرز التساؤل من هم الأعداء؟ وأين عجز الأعداء؟، تظهر لنا الإجابة جليَّة عبر منظور جيوسياسي في فهم هذا القرار في سياقهِ الزمني. الإمبريالية الأمريكية ومحاولات الهيمنة في منطقة الشرق العربي، اليمن، وسوريا والعراق وآثار هذه المعارك تصوغ المواقف والقرارات الأمريكية لكي تُعيد إنتاج نمط معيّن من ميزان قوى يضمن مصالحها في المنطقة.

الإمبريالية الأمريكية وأدواتها في المنطقة من ملوك نفطٍ في بلاد الحجاز وملوك إسرائيل في فلسطين يعملون من أجل التخريب والدمار، وإنشاء أنظمةٍ تركع للإمبريالية الأمريكية، من خلال ربط اقتصادها عضويّا في اقتصاد الإمبريالية الأمريكية. في سوريا تم ضرب الثورة الشعبية الحقيقية وقلبها إلى أداة رجعية لضرب الشعب وسحق الدولةِ السورية لتكون موالية، متصالحة مع الإمبريالية الأمريكية، فشل هذا العدوان في تحقيق ما يرمي إليهِ من هيمنة على سوريا، وأيضا فشل السعوديّ في الهيمنةِ على اليمن، وسقوط مشروع تقسيم العراق على أيدي الحشد الشعبي العراقي. سياق انتصارات محور المقاومة، المُعادي للهيمنة الأمريكية في المنطقة صاغت قرار القدس لعله يُرجع هيبتها التي سُحقت، وهيمنتها التي دعست عليها أقدام شعوب المنطقة.

رد الفعل الثاني: محمود الزهار

«أنا أعتقد أن المرحلة اليوم ليست الأمس، والمرحلة غدا أفضل من اليوم لصالح برنامج المُقاومة، لصالح المسجد الأقصى، لصالح عُروبة العرب، لصالح إسلاميّة المُسلمين، ولكن بشرط ألا يتفرجوا علينا، عليهم أن يُقدموا ما يستطيعون أن يُقدموه، ستتراجع جميع البرامج التخاذليّة، بالتأكيد ستتراجع لأنه لا أحد يستطيع أن يقف أمام هذهِ الأمواج في الشارع»  .مُداخلة في قناة الشرق في السادس من ديسمبر (كانون الأول)

من خلال كلمات الإمام الخامنئي، بانت لنا صورة جيوسياسية عامة للمسألةِ حول القدس، في كلمات محمود الزهار تظهر ملامح تخاذل الأنظمة والسُلطات الحاكمة في الدول العربية، القصدُ هو البرجوازية الكمبرادورية في المنطقة وتشابكها البنيوي مع الإمبريالية الأمريكية، وهكذا نفهم أكثر لماذا يبقون العرب (الدول العربية) مُتفرجين.

 الدول العربية المُصدّرة للنفط هي بنيويًّا مُرتبطة في السوق الأمريكي، وأيضًا اقتصاد الدول العربية يرتبط في صندوق النقد الدولي والأجنبي، هكذا يُهيمن الأمريكي على المنطقة، الجبهة الشعبية في تونس هي من أهم الأحزاب المُعادية للإمبريالية الأمريكية، تُفكك هذه العلاقات الشائكة في الشريط أدناه، وتُبيّن أنهُ يلزم من تلكم العلاقات إخضاع الدول العربية وضمان استقرارها أو على الأقل ضمان استقرار البُنية الاقتصادية، طبقة برجوازية كمبرادورية ثابتة تضمن مصالح الإمبريالية. طالما هذه العلاقات البنيوية مُستمرة لن يكون هناك موقف جذري ثوري للدول العربية.

السُلطة الفلسطينية كونها أيضًا تؤدي دور برجوازية كمبرادورية مع الاحتلال الإسرائيلي، ترتبط بنيويّا في الإمبريالية الأمريكية والاحتلال الإسرائيلي من عدة اتفاقيات شكّلت هذه الحالة الهشة للحركةِ الوطنية الفلسطينية. لكي نفهم هذه الحالةِ الفلسطينية يجب أن نُعرِّف الأدوار الاقتصادية وعلاقات القوى. البنية الاقتصادية للسلطة الفلسطينية هي تشكّلت من خلال اتفاقيات مع الإمبريالية الأمريكية والاحتلال الإسرائيلي للهيمنة على السوق الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، وفقًا لذلك عمليّة التسوية وأيضًا اتفاقيات أوسلو هي تُمثل وعيًا زائفًا وجزءًا من بنيةٍ فوقيّة تُصيغها علاقات القوى في البُنيةِ التحتيّة الاقتصاديّة التي هي ترجح لصالح إسرائيل والإمبريالية. لن يكون أي تغيير حقيقي بدون نسف البنية التحتية، بمعنى إلغاء اتفاقيات السلام الاقتصادي واتفاقيات أوسلو، عندها من الممكن تحقيق سلام عادل.

رد الفعل الثالث: السيد حسن نصرالله

«السكان الأصليون في القدس ما هو مصيرهم بعد قرار ترامب؟ هل تُفرض عليهم الجنسية الإسرائيلية أم سيتم تهجيرهم؟ وإذا كان ذلك ممنوعًا سابقًا هل هو مسموح اليوم؟ ما هو مصير أملاك الفلسطينيين في القدس؟ بيوتهم وأراضيهم وكل أملاكهم هل ستصادر، هل ستهدم؟» .كلمة فلسطين ستتحرر، السابع من ديسمبر (كانون الأول)

كلمات السيد حسن نصر الله تأتي بعد في تسلسل في منظور الجيوسياسي للتحليل وقراءة قرار ترامب، بعد تعليق الإمام الخامنئي من منظورٍ عامّ حول صراع القوى والعدوان ومحاولة فرضِ الهمينة على المنطقة في إطار التحدي الإمبريالي، بعد ذلك محمود الزهار القيادي في حركة المُقاومة حماس، في فهم علاقات الإمبرياليّة في إطار الدولةِ العربيّة والإسلاميّة. الآن دور السيد حسن نصر الله ليُركز على المقدسيّ، الإنسان في صراع ذي أبعاد جيوسياسية عالميّة.

 مركزيّة الفلسطيني، المقدسيّ وما يُلاقيهِ من صراع وجود، ونضال بقاء. في خطاب يستمد روحهُ من الإنسان، هكذا يتمّ تجييش الشعب من أجل مصالحهِ الحقيقيّة، خطاب يُعبّر عن درجات في الوعي المادّي للصراع، لكي يبلور فهمًا واقعيًا للصراع والمُجريات الأخيرة. في هذهِ الكلمة لم تكن القُدس مُتخيلة دينيّة، بل كانت قُدس الفلسطينيين، قُدس الشعب الكادح، الطامح للعيش بكرامة، وسيّد أملاكهِ، بيتهِ وأرضهِ، وهُنا تكمن أهميّة خطاب يُحاكي معاناة الفلسطيني الحقيقيّة. يُبلور برنامج المُقاومة والانتفاضة من أجل حماية الفلسطيني في أرضهِ. أيضًا مُحاولة تفسير أبعاد هذا القرار على الفلسطيني المقدسيّ، وكيف يُمكن إفشال وإلغاء القرار عبر عدّة إجراءات بنيويّة تقوم بها السُلطةِ الفلسطينيّة، إجراء من أجل إنهاء عمليّة التسويّة، سحب اعتراف في دولةِ الاحتلال. وهكذا كل مستويات النظر وبحث الواقع مُترابطة بشكلٍ جدليّ.