لجولة الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أخيرًا من حميميم إلى أنقرة مروراً بالقاهرة رسائل داخلية أيضاً، إذ تستعرض دوره زعيماً أعاد لروسيا هيبتها التي فقدتها في السنوات التي تلت انهيار الاتحاد السوفييتي، في وقتٍ يشرع فيه بحملته للفترة الرئاسية الخامسة.

أعلنت روسيا، منذ البداية، أن تدخلها العسكري في سورية سيكون محدوداً، ولمدة تتراوح بين شهرين وثلاثة شهور، وبعد مضي أكثر من عامين على هذا التدخل، ظهر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في زيارته القصيرة للقاعدة الجوية الروسية في سورية، وقال، مرةً أخرى، إن الجيش الروسي أنجز مهمته، وسيعود إلى بلاده. وصحيح أن هذا الأمر كان قد تعهَّد به مراراً في السابق، إلا أن التوقيت والدلالات مختلفة هذه المرة.
ترك بوتين لنفسه مساحةً كبيرةً للمناورة بقوله إن “جزءاً كبيراً” من القوات سيعود إلى البلاد، وإفادته بأن روسيا أسَّسَت وجوداً دائماً في سورية من خلال قاعدة حميميم وقاعدة طرطوس البحرية المُوسَّعة. وكان ديمتري بيسكوف، المُتحدِّث باسم بوتين، أكثر غموضاً، حين أشار إلى إنه لا يوجد جدولٌ زمني مُحدَّد للانسحاب، وقال: “من الواضح أنها مسألة لا تنتهي بين ليلةٍ وضُحاها”. ولا بد من التساؤل عن جدوى الحملة العسكرية التي قامت بها روسيا على مدار عامين؟ وعما يريد بوتين؟ وهل حقق ما يصبو إليه؟
كان الهدف الرئيس من التدخل العسكري الروسي إنقاذ نظام الأسد من السقوط، وإضعاف 
“تخشى روسيا على علاقاتها السياسية والاقتصادية القوية مع الدول التي يثير التقارب مع إيران استياءها”

أعدائه، كما أرادت روسيا ضمان مصالحها، وعرض قواتها العسكرية، واختبارها، إضافة إلى استهداف التنظيمات المتطرّفة، بسبب مشاركة المواطنين الروس في نشاطها، كما حاول بوتين ربط تحركاته في سورية بملفات أخرى، مثل نزاع أوكرانيا، والخلافات مع الاتحاد الأوروبي، والعقوبات الغربية على روسيا. وينظر بعضهم إلى أن التدخل الروسي ساهم، نوعاً ما، في تحجيم الدور الإيراني الذي استفرد بالقرار السوري، منذ نهايات عام 2012، حيث انعكس الانزعاج الإيراني من التهميش الروسي، بتقارب إيراني مع تركيا، إضافة إلى تصريحاتٍ سابقة للرئيس الإيراني، حسن روحاني، تفيد بعدم رضا إيران عن جميع القرارات التي تتخذها روسيا في سورية، إلا أن ذلك كله لا يرتقي إلى مستوى خلاف روسي – إيراني على أهدافهما القريبة في سورية.
أوجد التدخل الروسي نوعاً من التوازن العسكري في ميزان القوى بين جميع الأطراف، بحيث لا يسمح لأي منها بتحقيق أي انتصارٍ يمكن أن يقلب المعادلة على الأرض السورية، واستطاعت روسيا إعادة مناطق كثيرة في سورية إلى يد النظام، باستثناء بعض المناطق في شمال شرقي البلاد. وعلى الرغم من أنه من الممكن أن تعيد الجماعات المتطرّفة بناء نفسها مرة أخرى، إلا أن تحذير بوتين شديد اللهجة لهم، يترك باب الاحتمالات مفتوحاً.
وقد استفادت روسيا استفادةً كبرى من عدم رغبة الولايات المتحدة في التدخُّل في صراعاتٍ مختلفة في الشرق الأوسط وغياب دور واضح لها في أزماتٍ كثيرة، وخصوصا سورية، لتُعيد بناء علاقاتها مع عواصم مختلفة في المنطقة، سيما الخليجية منها. وقد عملت روسيا بتدخلها العسكري في سورية على تحقيق أهداف جيو – استراتيجية، ونجحت، إلى حد كبير فيها، على الرغم من فشلها في تحقيق بعض تلك الأهداف، وجاء قرار إعلان الانسحاب مع اقتراب موعد مؤتمر سوتشي للحوار الوطني السوري، فموسكو ينتظرها دور سياسي مهم، حين يعقد مؤتمر الحوار الوطني السوري الذي سيضم ممثلين عن المعارضة السورية. ووفقا للرؤية الروسية، فإن الحل الوحيد للأزمة السورية يتمثل في تشكيل حكومة جديدة، لإعادة الهدوء إلى البلاد، إلا أن موقع “المونيتور” الأميركي يعتبر تنفيذ تلك الرؤية مع رئيس مثل الأسد أمرا صعبا للغاية. وهنا يجب أن تظهر قدرات موسكو الدبلوماسية في تطبيق رؤيتها.
ويرى مراقبون أن إعلان روسيا الانسحاب، بالتزامن مع مفاوضات جنيف بجولتها الثامنة، 

“استفادت روسيا استفادةً كبرى من عدم رغبة الولايات المتحدة في التدخُّل في صراعاتٍ مختلفة في الشرق الأوسط”

واقتراب الجولة الثامنة من محادثات أستانة، والاستعداد لمؤتمر سوتشي، رسالة إلى الأطراف الإقليمية بالدرجة الأولى التي اعتبرت أن روسيا، بتدخلها العسكري، أبعدت الحل السياسي، وعقّدت الوضع السوري المعقد أصلاً.
وعلى الرغم من التدخل العسكري الروسي القوي في سورية طوال عامين، إلا أن روسيا ما زالت تفتقر إلى تفعيل دور سياسي قوي، خصوصا بعد إعلان الانسحاب، وباتت تواجه تحدياً من نوع آخر هذه المرة، سياسي وليس عسكريا.
ومن هذه الزاوية، تعاونت موسكو سياسيا وعسكريا مع دول إقليمية في المنطقة، بهدف دعم موقفها السياسي الضعيف. وكان ذلك خلال محادثات أستانا، الذي نظمته موسكو بالتعاون مع طهران وأنقرة، حيث استطاعت الدول الثلاث تهدئة الوضع في سورية، بالإضافة إلى إنشاء أربع مناطق لخفض التصعيد.
ولا يمكن تجاهل موقف دول كبرى عديدة، والإقليمية الرافضة للنفوذ الإيراني في سورية والمنطقة، وهو ما يجعل روسيا في موقفٍ لا تحسد عليه، فهي تخشى على علاقاتها السياسية والاقتصادية القوية مع تلك الدول، التي يثير التقارب الروسي الإيراني استياءها.
ويبقى القول إن لجولة بوتين أخيرًا من حميميم إلى أنقرة مروراً بالقاهرة رسائل داخلية أيضاً، إذ تستعرض دوره زعيماً أعاد لروسيا هيبتها التي فقدتها في السنوات التي تلت انهيار الاتحاد السوفييتي، في وقتٍ يشرع فيه بحملته للفترة الرئاسية الخامسة. وعلى الرغم من ثقته من انتصاره في الانتخابات الرئاسية في مارس/ آذار من العام المقبل، إلا أنه يسعى للحصول على مستوى عال من الدعم، وإقبال قياسي في عملية الاقتراع.