ستنتج الأزمة السياسية في مصر أطرا لاستمرارها، حتى تقرّر مجموعات أخرى تشكيل جبهة معارضة موحدة باتفاقٍ يمثل حدا أدنى يمثل آمال المصريين. وهذا يتطلب نوعا مختلفا من الوعي والتنظيم وإدارة الحوار، وربما يتطلب أحزابا وجبهاتٍ جديدة.

حظيت انتخابات الأندية الرياضية المصرية باهتمام واسع، فتصدرت معاركها وسائل الإعلام، حتى أنها خرجت من أسوار النوادي إلى الشوارع التي امتلأت بالدعاية، في مشهد لافت، لدولة اختفت منها عملية الانتخاب والتصويت، إلا في مساحة محدودة، هي التنافس على رئاسة الأندية، ربما لأنها الساحة الوحيدة المتاحة للتنافس، بينما السلطة كل السلطة، يؤممها النظام، بكل الطرق، منها موات السياسة والتنافس، أرضية لتكريس وحدانية الفعل السياسي بيد النظام. وبالتالي تلغي الانتخابات أو تهمشها، بداية من انتخابات العمد في القرى، وصولا إلى انتخابات أعضاء هيئات التدريس/ مثل عمداء الكليات، وحتى انتخابات النقابات العمالية والمحلية التي لم تجر منذ ما قبل اندلاع ثورة يناير.
مصر بلا انتخابات صورة تعكس انهيار حلم ديمقراطية المشاركة وإدارة المجتمع عن طريق أفراده الذين ينتظمون في كتل وجماعات ونقابات وأحزاب، إلغاء أو تأجيل التنافس، من آليات حصار العمل العام أيضا، وهي تعظم إرادة الجهاز التنفيذي للدولة، وفي مقدمته بالطبع رئيسها، وفضلا عن أنها أحد مظاهر الاستبداد، فإنها تعكس المصالح المستقرة لجماعاتٍ تريد إبعاد المجتمع عن المشاركة في تحديد مسار السياسات واتجاهاتها، أو اتخاذ القرارات، لتطبق هي سياسات تحفظ مصالحها.
على الرغم من أن الانتخابات الرئاسية لم يتبق على إجرائها سوى ستة أشهر، إلا أنه لم يظهر 
“الساحة السياسة خاليةً أمام النظام، يشكل فيها الوعي، ويحتكر السياسة، ويتحكّم في أجهزة السلطة”

مرشحون في حملات قوية، ولم يدر نقاش في المجال العام حولها، ما يوحي أن المجتمع، أفرادا وجماعات، في وضع التسليم بالأمر الواقع، تعجز الأحزاب والمجموعات السياسية عن تقديم البدائل، سواء عبر مرشح يحظى بدعم حقيقي، أو عبر وضع سيناريوهاتٍ بديلة للتغيير أو حتى الضغط على النظام، بغرض إصلاح ما يمكن إصلاحه. إذن، أغلب المجموعات السياسية ما بين موقفين، العجز أو المراهنة على استمرار نظام 30 يونيو. وتراهن بعض هذه المجموعات على إمكانية إدخال تحسينات على النظام، فتطالب بتعاملٍ مغاير مع الأزمة الاقتصادية، يحد من آثار البطالة وزيادة نسب العوز وارتفاع الأسعار ونقص الخدمات، ويراهن بعضهم على أن النظام سيتيح مستقبلا، وفي الفترة الرئاسة الثانية، مساحات من التنفس والحركة للأحزاب والمجتمع المدني، خصوصا أن حصار المجتمع المدني والسياسة لم يفلح، أو لم يعد مبرّرا لمحاربة الإرهاب الذي يتوسع، وخصوصا في سيناء التي شهدت جريمة بشعة، راح ضحيتها ما يزيد عن ثلاثمائة في مسجد الروضة.
كسرت عودة المرشح الرئاسي السابق، أحمد شفيق، إلى مصر حالة من الحوار بشأن انتخابات الرئاسة، وأحدث إعلان ترشحه زلزالا سياسيا خاطفا، أعاد النقاش إلى الشارع المصري عن الانتخابات. ووقفت خلف الضجة التي أثارتها عودة شفيق عدة أسباب، يرتبط معظمها بأزمة السياسة في مصر بعد تأميمها، وغياب مرشحين يقف خلفهم أنصار وقوى سياسية واجتماعية تؤيدهم، مرشحين قادرين على خوض معركة تنافسية حقيقية.
ويمكن هنا تحليل حالة شفيق هذه عبر مؤشرات، منها أن الرجل تقف خلفه بقايا الحزب الوطني، وأغلبهم ينتمون إلى حزب الحركة الوطنية الآن، ولهذه الكتلة امتدادات في أحزاب عدة، كما تمثل الأصوات المؤيدة لشفيق مصالح لكتل أبعد بعضها من السلطة بعد الثورة، وتضرّرت من ذلك، على المستويين، السياسي والاقتصادي. وترى هذه الكتل أن شفيق يمثل حماية لمصالحهم ووجودهم، وحتى إن لم يفز في الانتخابات. وعلى جانب آخر، استبعد عبد الفتاح السيسي بعض رجال النظام المباركي، واختار طاقما من رجال جدد، يدينون لسلطته بولاء مطلق، وهؤلاء المستبعدون من جهات متعدّدة تمثل كتلة من الثورة المضادة غير الراضية عن أوضاعها الحالية. لذا يقف خلف شفيق خليط متنوع، من رجال البيروقراطية، وأجهزة الأمن، وبعض رجال الأعمال.
ومن جانب آخر، تفيد محاولة شفيق الترشح بأن هناك رسائل وجهت له على مستوى إقليمي ومحلي، تمهد لهذا القرار الذي لم يكن مفاجئا، فمنذ عامين يحاول الجنرال شفيق العودة إلى الساحة السياسية بأساليب عديدة، منها إجراء اللقاءات التلفزيونية، أو التعليق على الأحداث الساخنة، أبرزها موقفه من اتفاقية التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير، والتي مثل فيها موقفا يتفق مع الشعور العام المصري، ويعبر عن تحفظ رجالٍ في السلطة على الاتفاقية. صحيح أن قرار الترشح الذي أعلنه شفيق سرعان ما تراجع عنه، تحت ضغوط الدولة ووسائل الإعلام، لكن هذا التراجع المؤقت لا يعني انتهاء آماله، والكتل التي يمثلها، في الظهور على الساحة السياسية، ولعب دور سياسي مرة أخرى، وإنهم وإن كانوا يصطفون في جانب الثورة المضادة، فهذا لا يعني وجود صراعات مصالح بينهم.
من جانب آخر، شعرت السلطة بخطر عودة شفيق، نظرا لتخوفها من حدوث انشقاق في بعض مكوناتها التي قد تجنح لتأييد شفيق، ولو سرا، بالإضافة إلى أن إجراء الانتخابات بين شفيق والسيسي سيضع الانتخابات في إطار صراع لجناحي الثورة المضادة، ما يفتح طريقا لمرور معارضين في المجال السياسي، وهذا يفسر التعامل الأمنى والإعلامى الحاد مع شفيق، والذي مثل رسائل واضحة، أرادت أن يتخلى عن فكرة الترشح في انتخابات الرئاسة.
تتضح هنا أزمة السياسة في مصر، ليس وحسب من خلال سلطوية الدولة والنظام، ولكن أيضا تشرذم قوى المعارضة الضعيفة أصلا بعد خروج الإخوان المسلمين لاعبا سياسيا معارضا بعد ثورة يناير. وللحقيقة لا يمكن الحديث عن المشهد المأزوم سياسيا بوصفه نتاج سياسات السلطة وحسب، ولكن أيضا هو نتيجة صمت القوى السياسية، وانصياعها لمفاهيم السلطة وأوامرها، وتخليها عن فكرة بناء بدائل حقيقية، تقنع جمهورا مأزوما، ويعاني، ولا يجد من يصدّقه أو يسير خلفه، فيكتفي بالخوف الذي ينشره النظام، لكي يستمر سكونه، وتتعطل قدراته في التعبير عن معاناته.
هكذا أصبحت الساحة السياسة خاليةً أمام النظام، يشكل فيها الوعي، ويحتكر السياسة، ويتحكّم

“يقف خلف شفيق بقايا الحزب الوطني، وأغلبهم ينتمون إلى حزب الحركة الوطنية الآن”

 في أجهزة السلطة بشكل مطلق، خارج حتى بنية القانون والدستور، وأصبحت القوى السياسة التي رضيت بالتأييد والصمت أكثر هامشية، مفتّته، لا تستطيع تقديم شيء. لذا لم تهتم دوائر الحكم كثيرا، ولا وسائل الإعلام، بطرح فكرة انتخابات الرئاسة قبل عودة رئيس الوزراء السابق، أحمد شفيق، وتم تجاهل إعلان المرشّح الرئاسي اليساري، خالد علي، خوض الانتخابات، وكأنه حدث هامشي. في الوقت نفسه، وحين ظهر شفيق المدعوم من قوى النظام القديم، رحبت به دوائر من النخب التي كانت تحسب على المعارضة، وإن لم تعلن ذلك صراحة، لكن جرى قبل ثلاثة أشهر نقاش مطول بين مجموعات سياسية، كان أفرادها فاعلين سياسا، وطرحت خلال الاجتماعات احتمالية عودة شفيق، وخيار تأييده إذ ما ترشح في انتخابات الرئاسة. وهذا الموقف دال أيضا على أزمة السياسة في مصر، ويعد تعبيرا شديد الوضوح عن أزمة النخب التي تمارس السياسة كهواة بدون بوصلة أو توجه أو رؤية، فهؤلاء الذين كان أغلبهم مشاركين في ثورة يناير يستجدون رمزا للثورة المضادة في مجابهة رمز آخر. وإذ هذا منطقهم، وهم يجمعون بين صفوفهم كتّابا وأساتذة أكاديميين وقيادات حزبية وشبابية للأسف، فلا عجب أن تصبح عودة شفيق موضوعا للنقاش في الشارع المصري الذي فقد كثيرا من آماله على النظام الحالي، فمن قراراتٍ تتعارض مع الحس الوطني فيما يتعلق بقضية جزيرتي تيران وصنافير والقضية الفلسطينية عموما، وجديدها اعتبار الولايات المتحدة القدس عاصمة لإسرائيل بتواطؤ عربي، إلى قرارات اقتصادية حطمت آماله بالعدالة وحياة معيشية أفضل، بل تسببت في إفقار فئات أوسع.
بهذه الصورة، وموازين القوة الحالية، سيستمر عبد الفتاح السيسي رئيسا فترة أخرى، إلا إذ حدث أمر عارض. وبذلك ستنتج الأزمة السياسية في مصر أطرا لاستمرارها، حتى تقرّر مجموعات أخرى تشكيل جبهة معارضة موحدة باتفاقٍ يمثل حدا أدنى يمثل آمال المصريين. وهذا يتطلب نوعا مختلفا من الوعي والتنظيم وإدارة الحوار، وربما يتطلب أحزابا وجبهاتٍ جديدة، تحاول تجاوز عجز الكيانات القائمة وأزمتها، وهي التي انتهى أغلبها، أو استوعبته السلطة في أحسن تقدير.