c6b0f30f-bc88-4a91-a93e-a9335bc014de.jpg

مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

معن البياري

مهم جدا في غضون السخط على الخونة البحرينيين المستضافين، منذ يومين، في دولة الاحتلال الإسرائيلي، أن نقرأ كتاب كلنا فداك.. البحرين والقضية الفلسطينية 1917-1948″ مجدّدا، لنعرف أي أصالةٍ يقيم عليها شعب البحرين في ارتباطه بقضية فلسطين.

رحم الله الكاتب والباحث البحريني، خالد البسّام. أنجز كتاباً شديد الأهمية، تعب فيه كثيرا في جمع وثائقه ومادته الأرشيفية، وهو “كلنا فداك.. البحرين والقضية الفلسطينية 1917-1948” (المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2005). مهم جدا في غضون السخط على الخونة البحرينيين المستضافين، منذ يومين، في دولة الاحتلال الإسرائيلي، أن نقرأ هذا الكتاب مجدّدا، لنعرف أي أصالةٍ يقيم عليها شعب البحرين في ارتباطه بقضية فلسطين، منذ بواكيرها، عندما كان مواطنون عديدون منه يتبرّعون بالروبيّات للشعب الفلسطيني، في استجابةٍ منهم لنداءات المجلس الأعلى الإسلامي في فلسطين، ولدعم ترميمات المسجد الأقصى في القدس. ويتابع الكتاب، ما استجدّ مع الثلاثينيات من القرن الماضي وبعدها، عند ظهور اللؤلؤ بكمياتٍ تجارية، وكذلك دخول البحرين عصر الاكتشافات البترولية، من تزايد أعداد المتعلمين والمثقفين البحرينيين، ونشوء الأندية الأدبية والثقافية والرياضية، ما جعل وعي جماهير هذا البلد بالقضايا السياسية يزيد، وفي مقدمتها قضية فلسطين، حيث تشكلت لجان لرعاية أيتام فلسطين ولجمع التبرعات لهم، شارك فيها الرجال والنساء. وتدخل المحتلون البريطانيون وعقدوا محاكمات للمتهمين في أحداث ضد اليهود، وتعرّض متظاهرون للسجن فترات مختلفة، الأمر الذي لم يؤد إلا إلى مزيدٍ من النضال والمقاومة ضد المخططات الإنكليزية لزرع إسرائيل في المنطقة العربية.
هذا الكتاب المعزّز بالوثائق والصور الفوتوغرافية النادرة، بين وعد بلفور في 1917 إلى نكبة 1948، بذل مؤلفه الراحل، وهو الموهوب وذو كفاءةٍ في التقصّي التاريخي، جهدا فريدا في التنقل بين مكتبات القاهرة ولندن، وفي مطالعة أوراقٍ وصحف قديمة، من مصر والأردن وقبرص. ومطالعة هذا الكتاب مجدّدا تسعفنا في التأكيد على أن إدانات الشجب الغاضبة في البحرين على الخطوة الشائنة التي أقدمت عليها جمعيةٌ هناك، في إيفاد أشخاصٍ منها، إلى فلسطين، بضيافةٍ إسرائيليةٍ، وللقاء مسؤولين إسرائيليين، موصولةٌ بالروح التي يقيم عليها وجدان شعب البحرين وأهلها، والذين لطالما سُمّوا بأنهم “فلسطينيو الخليج”، وموصولةٌ أيضا بالنضال الديمقراطي الوطني الذي واظبت عليه نخبٌ معارضةٌ ومثقفة، ذاق كثيرون من نشطائها، ومن أصحاب الموقف والرأي، التشرّد والسجون والقمع والاضطهاد من السلطة في بلادها لدأبهم في حراكهم السلمي من أجل العدالة والمساواة في البحرين، ومن أجل إصلاحاتٍ جوهريةٍ في الحكم والنظام. وليس المقام هنا التأشير إلى الممارسة الثأرية التي ارتدّت فيها السلطة، بعد نجاحات الثورة المضادة في غير بلد عربي، عن الاستحقاقات الإصلاحية التي تعهّدت بها، وإنما المقام هنا هو هذه الحماسة العجيبة لدى السلطة المذكورة تجاه إقامة علاقات مع إسرائيل، ما يستدعي أكثر من سؤالٍ واستفهامٍ عن أغراض هذا الأمر، وما إذا كانت من أسبابه محاولة القصر الملكي في البحرين تبييض صفحة نظامه لدى الولايات المتحدة والغرب، بعد أن صارت الصورة العامة لهذه الصفحة سوداء كثيرا، بفعل جسامة الانتهاكات والتعدّيات على حقوق الإنسان، وجرّ الناشطين إلى المعتقلات، واتهام نواب سابقين وفاعلين سياسيين ومناضلين في المجتمع المدني بتهمٍ ملفقة ومرتجلة.
صدقت الجمعية التي زار وفد منها “إسرائيل والقدس المحتلة” (بحسب بيانٍ لها) في قولها إن هذه الزيارة تمثل الجمعية نفسها، فشعب البحرين، بنخبه وعامّته، وبمثقفيه الذين بادروا إلى إعلان البراءة مما أقدم عليه هؤلاء، أشرفُ من أن يمثلهم هذا النفر الضال والناشز، غير أن الجمعية هذه كذبت لمّا زعم بيانُها إنها قامت بفعلتها “بمبادرةٍ ذاتية”، وإنها تستند فيها إلى “مبدأ التسامح والتعايش الذي يعد نهجا لمملكة البحرين”. وليس ثمّة عاقلٌ يمكن أن يشتري هذه البضاعة الكلامية البائسة، فأي تسامحٍ أو تعايشٍ هذا الذي تحققه زيارةٌ مريبةٌ مثل التي قوبل ناسُها بالطرد من باحة المسجد الأقصى، وأي دجلٍ هذا الذي تسوّقه السلطة في البحرين في مسلكٍ كهذا.
لا نحفل بهذا التهريج، وإنما نلتفت باعتزازٍ كبير إلى البحرينيين الذين نشطوا في وسائط التواصل الجماهيري، وفي غير منبرٍ وتظاهرة، لإعلان براءتهم من مسلك الجمعية المعيب، وتأكيد انتسابهم إلى فلسطين وإلى عروبتهم. كيف لا وأسلافُهم ناس نظيفون كتب عنهم خالد البسام وأجاد، لمّا طاف على جهودهم وتجمعاتهم وتبرّعاتهم ومظاهراتهم ومسيراتهم من أجل فلسطين.. لنقرأ كتابه “كلنا فداك..” مجدّدا، فهذا أوْلى من الاكتراث بالذي يزعمه أولئك المرذولون.

إعجاب تحميل...