مخطئ من يظن أن الصراع العربي الفارسي وليد عهد قريب، فليس التصادم الذي نشهد وقائعه في الساحة الدولية سوى نذر يسير مما سجلته أضابير التاريخ، وصيرورة حتمها امتداد لتاريخ موغل في القدم.

ينقل إلينا التاريخ المسجل حقائق مدهشة تحتم أن يكون هذا الصراع في خانة اليقين والتسليم الذي لا يمكن تجاوزه. فنيرانه مؤججة على مدى 50 قرنًا في الحدود العربية الفارسية ممثلة في العراق؛ بحيث أنه لا توجد فترة 15 عامًا لم تقع فيها حروب بين الفصيلين.

بل يأخذنا التاريخ إلى ما هو أبعد من هذا، حين ينقل إلينا تدمير الفرس وإحراقهم عواصم الدول التي قامت في ربوع العراق. أول كارثة مسجلة هي دخول العيلاميين عاصمة الأكديين على بعد 20 كيلومترًا من بغداد ليدمروها ويحرقوها في 2322 ق.م.، ثم عادوا بعد سنوات قليلة فأزالوا عاصمة السومريين من الوجود في جنوب العراق، وهكذا استمر التدمير الفارسي لكل المراكز الحضرية التي قامت في العراق. فلم تسلم منهم آشور والحضر في شمال العراق، أو بابل بوسط العراق على يد كورش الفارسي.

وما لا يعرفه كثير من الناس، أن فتح فارس على يد سعد بن أبي وقاص في عهد عمر الفاروق رضي الله عنهما، وضع حدًّا لاستعمار الفرس للعراق الذي استمر طيلة 10 قرون.

كان هذا المدخل مهمًا لبيان عمق أثر هذا الصراع في الذاكرة الجمعية العربية، فهو صراع ممتد، لا كحروب العرب فيما بينهم، التي تجبرها وساطات الحكماء وتطييب الخواطر ودفع الديات، ويكفي ما سكبه شعراء العرب في وصف موقعة ذي قار عام 609م لبيان ضراوة العداوة بين الجانبين، وهو يوم أشفى فيه العرب غليلهم وأخذوا بثأر النعمان بن المنذر ملك الحيرة، الذي قتله حليفه كسرى.

ومن وحي هذا الصراع أبدع المخيال الشعبي في نسج سيرة الأمير حمزة البهلوان، ابن إبراهيم أمير مكة. فشرع القصاصون في حكاية بطولات ومعارك وأحداث وأهوال تتعلق بحمزة العرب وعدوه اللدود كسرى آنو شروان ملك فارس، صاحب التاج والإيوان وأغنى ملوك عصره، لنستعرض هذه السيرة الملحمية لنستنطق منها ما يسمح به المقام.

تبدأ أحداث الرواية بحلم راود كسرى آنو شروان في منامه، ففزع منه أشد الفزع إذ رأى نفسه في إيوانه وقد مُدت إليه مائدة الذهب التي يأكل عليها، وفي وسطها إوزة مقلية بالسمن، فلما هم بأكلها دخل عليه كلب بشع الهيئة عظيم الجثة فتناولها من أمامه، وفي طريقه للخروج من الإيوان دخل من الباب أسد بطش به بضربة واحدة من مخالبه، ثم حمل الإوزة وأعادها لكسرى. فنهض مفزوعًا من نومه وقد عزّ عليه النوم حتى الصباح، ثم هرع إلى إيوانه واجتمع بوزيريه بختك وبزرجمهر، وحكى لهما ما رآه في حلمه.

كان بزرجمهر حكيمًا عليمًا بمختلف العلوم ومنها تفسير الأحلام، وعابدًا لله في الخفاء على خلاف الديانة الرسمية المجوسية للفرس، فقال بزرجمهر لكسرى إن عدوًا شديد الشكيمة قوي المراس من الفرسان المعدودين في زمانه سيهجم على مملكة كسرى وينزعه عن الملك وهو الإوزة، وأن الأسد بطل من أبطال العرب سيولد في مقبل الأيام بمكة، وأنه من سيعيد كسرى إلى سدة ملكه. فما كان من كسرى إلا أن فرح بتفسير بزرجمهر، وأرسله محملًا بالهدايا والعطايا لأمير مكة إبراهيم، وطلب منه أن يتقصى أمر المولود، ليصرف على تنشئته من خزينة الدولة الكسروية، ويكون تحت رعاية الدولة ليرد لكسرى الجميل في اليوم المنشود.

يقطع الوزير بزرجمهر الفيافي وكله شوق لزيارة بيت الله في مكة، لديانته بالديانة الإبراهيمية فأحداث الرواية تدور حول الفترة ما قبل البعثة. ويصل موكبه المهيب فيحسن الأمير إبراهيم استقباله، وفي مجلسه يروي بزرمجهر للأمير حكاية الحلم ويبشره أن الفارس المنتظر سيهدم المدائن عاصمة فارس بعد أن يعيد تنصيب كسرى على ملكه. وصادف أن جاء المبشرون لمجلس الأمير يبشرونه بولادة زوجته، فسماه حمزة وطلب أن يحملُ إلى مجلسه، ولما أحضروه تفرس فيه بزرجمهر وعرف أنه فارس العرب الذي سيكسر شوكة الفرس، فبشر والده بذلك.

أخبر بزرجمهر الأمير أن ملكه أمره بأن يجري النفقات على كل المواليد الذين توافق مولدهم مع مولد الفارس، فأمر إبراهيم خدمه بإحصاء المواليد فبلغ عددهم 800، ثم لم يلبث طويلًا حتى جاء واحد من خدمه وأخبره أن عبد من عبيده قام بضرب زوجته الحامل في بطنها ليظفر بالنفقة، فولدت وهي على شفا الموت، فلما أحضروا مولود العبد سماه بزرمجهر عمر، وأخبر إبراهيم أنه سيكون أخًا وعيارًا لحمزة، وأنه طالما يكون عمر بجانب حمزة فلن يصيبه مكروه. وبعد أيام رجع بزرجمهر إلى المدائن وطمأن ملكه بما يسره.

تمضي الأيام ليشب حمزة على الفروسية والصيد وما أن يبلغ ربيعه الثامن عشر حتى تتحقق النبوءة، فيخرج من بلده مع عمر والثمانمائة فارس الذين ولدوا يوم ولادته، فيتصل في طريقه إلى المدائن بملك الحيرة النعمان بن المنذر، ويستميله لينضم إليه تحت لواء جنده ويسيرا بجيشيهما حيث يهزم عدو كسرى ويبدد جيشه عن المدائن، ليعود كسرى إلى مدينته بعد أن طُرد منها ويكرم حمزة ويجلسه بجانبه ويحفه برعايته وكرمه، مما أثار غيظ وزير كسرى الخبيث بختك؛ فعقد العزم على تعكير صفو هذه العلاقة، لشدة احتقاره لجنس العرب.

ما ساعد بختك على تنفيذ مرامه، أن حمزة أثناء زياراته اليومية لإيوان كسرى، كان يرى مهردكار بنت كسرى واقفة على نافذتها لتنظر إليه، فوقع في حبها وبادلته مشاعره، وسرعان ما فاتح كسرى في رغبته بمصاهرته، فأشار بختك لكسرى بصرف حمزة عن مرامه بطلب المهور الغالية الصعبة.

فوجد حمزة نفسه يجوب الدول والبلدان لجلب الخراج من المناطق التي تمرد حكامها على كسرى، فلا ينتهي من معركة إلا ليخوض أخرى، طيلة سبع سنوات، ولكنه تمكن من ضم عديد من الأبطال الصناديد الذين هزمهم إلى ركاب جيشه، فعاد إلى المدائن بجيش يسد الأفق، ومجلس يضم أبطال حربه، فلم يجد كسرى وبختك مناصًا من إعلان طويتهما الغادرة، فبدأت الحرب بين الفريقين.

في رحلته الطويلة تزوج حمزة بعدة فتيات في أنحاء المعمورة، فتلاحقت وفود أبنائه بجيوشهم بعد عقدين من حروبه مع الفرس، فلا يقع في مأزق أو تضيق به الأرض ويكاد أن يُغلب حتى يأتي لنجدته واحد من أولاده، فكان في تعدد زيجاته ما آزره حتى نهاية حروبه بعقد معاهدة سلام مع ابن كسرى بعد وفاة والده، ورجوعه بأبنائه وزوجته مهردكار إلى مكة ليعيش فيها بسلام.

ينسب بعض النقاد هذه السيرة المطبوعة في أربعة أجزاء من ألفي صفحة إلى ابن الأثير صاحب الكامل في التاريخ الذي عاش تحت ظل الخلافة العباسية، وينسبها بعضهم إلى ترجمة معدّلة لنسخة فارسية الأصل تمت في مصر زمن الدولة الأيوبية، ولست بصدد مناقشة هذه الفرضيات، وإنما أحاول استنطاق العداء المتجذر بين القوميتين في صورته التي تمظهرت بصورة أدبية، سواء كانت سيرة نشرها القصاصون في المقاهي، أو كانت عملًا أدبيًّا مكتوبًا.

يشير هذا المنتج الأدبي لمجوسية الفرس سمةً بارزة لا يعرفون إلا بها، في وقت يفترض فيه أنه قد برز للوجود أن فارس قد دانت بالإسلام، وهذا يشير إلى شعوبية الفريقين وتمسك كل واحد منهما بقوميته، وحتى في عصرنا الراهن يصف بعض أهل المنابر الفرس بالمجوس، مع أنهم في غالبهم من الشيعة، وهنا يبدو الخلاف السني الشيعي في صورة شعوبية تستوجب مخالفة كل قومية لما تمثله الأخرى، وهي نتيجة حتمية فرضها تاريخ العداء المشترك.

يتفق حمزة مع كل الأجناس عدا الفرس، باستثناء الخاتمة المسالمة التي تظهر فضل العرب بعفوهم عن الفرس عند المقدرة، فقد سار في ركاب حمزة التكرور والهنود والروم وأهل مصر والسودان والشوام وغيرهم، وهذا وجه آخر يبرز أن جميع الحضارات قابلة للانصهار في الحضارة العربية القائمة على التوحيد، عدا الحضارة الفارسية التي لم يسهل عليها الاعتراف بأن أعداءها العرب قد صاروا أصحاب حضارة.

سألني صديق عن هذه السيرة فحاولت أن أجيبه، فكان أن نظرت في الرسالة التي دونتها له، فأبت إلا أن أعلّقها على حبل المنشورات، عساها أن تكون بالنسبة لمن يقرأها ذات فائدة تاريخية، أو أدبية استنطقت من السيرة ما تمحور فيها من متجذرات حضارية، أو على الأقل ذات فائدة في تعريف من لم يقرأ السيرة برواية أدبية رائقة بأحداثها وأشعارها. وما زالت نفسي تحدثني أن ثمة رسالة كتبتها فاختارت هي طريقها إليك!