أعتقد

– الشيوعية كفر.

– وكيف عرفت؟!

– إنها كذلك، ألا تعرف الشيوعية؟!

– أعرفها، لكن ماذا يجعلك تحكم على مذهب ما بكفره أو بحقه، هل أنت إله؟!

– لا إن الشيوعية كفر هذا أحد أسسها أن العالم مادة، وأن …

– وما أدراك أن الشيوعية تقول هذا؟! متى سنتوقف عن الرجعية والتخلف والحكم على الأشياء مما نعرف، نحن لسنا آلهة نحكم على فئات وأفكار بالكفر. عقل الإنسان محدود، فما بالك تحكم على من أمامك؟!

– …..

«جه يكحلها عماها» كما يقال في المثل المصري، أراد أن يتحدث كأنه عقل واعٍ يعمل على المنطق التجريبي فقط، ولا يرى حقائق، فوقع في شرك السفسطة، وهدم ما قدمه أفلاطون من النقاش العلمي وما قدمه سقراط في كلمتين حمقاواتين!

الـ«لا»

كل الدول التي تسلل إليها الفكر العلماني وجدناها تتعالى وترتفع في مستويات النقاش -بعيدًا عن الدينيات- أصبح لشعبهم بالفعل رأي في المجريات التي تحدث في العالم أو في الأشياء العامة، إلا الدول العربية! عندما تسلل الفكر العلماني مع التقدم الحضاري إلى الدول الأخرى؛ إذ أصبح للعقل الغلبة وتجرد الإنسان وأكثر من الأفكار الروحية واحتكم أكثر إلى العقل، فأصبح يحتاج إلى كل ما يمس حواسه الخارجية، ويدركه العقل المتمثل في مصطلح «العلم التجريبي»؛ كما تنبأ فرويد. دخل إلى العرب ذاك الفكر في وقت لم يكن مناسبًا، فبالكاد تقدمت الدول الأخرى علميًّا وعقليًّا، حتى كنا قادرين على التواصل معهم بالطريقة المثلى، سواء بحركة الترجمة أو الإنترنت وسيلة تواصل بين الأفكار، ولأن العرب لم يكونوا على قدر من الاستعداد لاستقبال هذا الفكر بسبب تخلفهم الحضاري نتيجة الحروب والنزاعات، فانتشر في صورة الـ«لا»، أن هذا المجتمع متخلف؛ لأنه ليس على قدر من الحضارة التي نراها خارجه، فهذا يعني أنها بيئة لن تخرج بأفكار سليمة أبدًا؛ فبدأت الثقة تختفي بين الفرد والمجتمع العربي؛ فبدأت الـ«لا»، كل ما يُقال على لسان أي عربي هو محض هراء، وهذا الفرد الذي تعرف إلى الحضارات الأخرى هو فقط ذو العقل الذهبي العظيم، فعندما يبدأ الواقع بخذلانه في منطقه وحديثه المعارض لكل «قال» في مجتمعه أصبح يقول: «وماذا أدراك، أنت جاهل وتحكم على الأمور من ظاهرها»؛ فيصمت المتحاور لا لضعف موقفه؛ بل لأن ما قاله لا يمت إلى الإنسانية –بجهلها- بصلة! فيعجز عن الرد بما يُعقل، لكن ما علاقة هذا بالفكر العلماني غير المناسب؟ نعم عقل الإنسان محدود الإدراك لكن هذا لا يعني أنه عديمه، فعندما يقول أحد الأشخاص شيئًا يتفق مع معايير الصواب الواضحة فيمكن أن نقول بأريحية إنه على صواب طالما نعرف معنى الصواب، فلا يمكن لأخينا ذي العقل الذهبي أن يعترض بالطبع ويجلد منطق هذا الشخص؛ لكنه يطلب دليلًا على علم البشر بالصواب، أو علم المنطق بصوابه، ويغفل عن أن المنطق هو الصواب والخطأ! وهنا تلعب العلمانية الفكرية دورها لتتحول في الصيغة العربية إلى سفسطائية تعتمد على علم البيان، وعلى جهل الإنسان بمكنونه وبقيمته، هنا يقوم أفلاطون من قبره كي يقتل نفسه مجددًا بعدما رأى دم علمه يراق للجهل! ويعود سقراط مداويًا جسده؛ الذي أنهكه السفسطائيون لثورته الفكرية التي هُدمت في هذا الوطن غير المتحضر بقدر يستوعب مفاهيم الحضارة التي تعلوه!

الإسقاط الأخير

بالطبع أنا لا أوحد المنطق على العالم، فكل حضارة ومنطقها الذي يحدد الصواب من الخطأ -هذا إذا تجنبنا الناحية الدينية- لكن لا يجب أن نضع كل الأفكار تحت نطاق وجهات النظر لذلك، فلا شيء في العالم الحديث ما زال يطلق عليه آراء، فمثلًا لو اعترضت على لوحة فنية يُقال لك: هل سترى بعيون الناس؟ فعليًّا نعم أنا بشري وعقلي مثلهم، وأنا أخاطب العقل في نقدي للألوان أو لتقنية الظل والضوء، فلو قلت شيئًا لا يصل إلى عقلك هذا لا يعني أن هذا رأيي وهذا رأيك، بل يعني أن أحدنا مخطئ، وأحدنا غير متطلع على الفن، وغير ذي خبرة! فلا يمكن أن تجتمع وجهتا نظر أبدًا وتكون كلتاهما صحيحة. فمثلًا لو كتبت 9 في أحد الشوارع على الحائط من أرضي، ورآها أحد من فتحة في أعلى الحائط 6 وأحدهم رآها كما كتبتها لأنه رآني وأنا أكتبها، فهل كلاهما صحيح؟ بالطبع لا. لكن الأمر يختلف في التقييم العام، فلو رجعنا إلى مثالنا الأول في الفقرة، واتفق الناس مع اعتراضك على الألوان، لكنهم يرون أن دلالتها تعطيها قيمة تجعلهم يحبونها، فهنا يختلف المنطق بيننا؛ لأن هذا يهتم لشيء وهذا يهتم لشيء آخر، وحينها يُسمى اختلاف ثقافات لا نظرات.

آخر التوضيحات

لنتفق في النهاية أن الصواب معلوم، وأن محاولة تزييف ذلك ليست بالصحيحة وناتجة من أفكار متسربة عن حضارات لا تقول ذلك من الأساس، وأن فكرة «وجهة النظر» تنفي حقيقة كوننا جميعًا بشرًا بعقول بشرية، وأن التغير الحضاري عندما وصل إلى مثقفي العرب كان في صورة خاطئة؛ فهل ما يحدث للفكر العربي من إنهاك نتيجة لسقوط هذه الفكرة؟ أم أن هذا طبيعي في ظل تخلفنا عن باقي العالم المحيط بنا؟ أعتقد أن الفكر العربي بحاجة إلى الانعزال قليلًا للتفكير في أصله ومعانيه، وللسمو بحضارته منفردًا بعيدًا عن التضليلات الخارجية غير المقصودة، يجب أن يعتمد العرب ولو لمرة واحدة على فكرهم بدلًا من نقل الأفكار الأخرى، كما يحدث منذ الخليقة.