المقدمة

لا أعلم هل النفس هي التي ماتت أم الروح.

لا أذكر متى آخر مرة ضحكت فيها من قلبي، قد أبتسم أحيانا لطفا وممازحة مع الآخرين، لكن غالبا قلبي لا يكون كذلك. قد تكون الظروف التي يمر بها بلدي سوريا قد زادت الطين بلة.

منذ  صغري  كنت هادئا أفكر كثيرا وأشرد لا إراديا. أغلبنا لديه أحلام وردية: عن عملنا، عن المستقبل، وأننا سنغير الكون!

وأحلام زهرية عن الزواج والبيت وتكوين الأسرة والأطفال، لكن كثيرا ما تصطدم هذه الأحلام بصخرة الواقع المزري، قد  يقال إن رمي الإخفاق على الظروف هو  نوع من الضعف والتهرب وضعف الإرادة، وأن الإرداة القوية تستطيع تحقيق كل شيء. لا يا صديقي، اسمح لي؛ فقد تجاوزنا القوانين الكونية في هذا الكلام. أنا لا أقول إن الإرادة القوية لن تنجح، بل على العكس، لكن ليس بالضرورة أن تنجح، فقد تتغلب الإرادة على الظروف والمحيط، لكن  في كثير من الأحيان تتغلب الظروف على الإرادة وأصحابها، وهذا ما يجعلنا نلجأ إلى الله؛ لأنه مهما بلغنا من القوة، فسيكون هناك ما هو أقوى منا، فنلجأ إلى الخالق الذي بيده ملكوت كل شيء، ويستطيع تغيير هذا الواقع، أو أقله مساعدتنا. قال عليه الصلاة والسلام: اعقل وتوكل.

أي اعمل الذي عليك، ثم التوفيق من الله سبحانه، وليس بيد أحد آخر.

المثال العربي الإسلامي

سآتي بمثال من التاريخ الذي هو أحد هواياتي المفضلة، فإذا رجعنا إلى أواخر عهد الدولة الأموية في عصر  الخليفة مروان بن محمد الذي كان، وعلى الرغم من قوة شخصيته، الا أنه لم يستطع منع الدولة الأموية من الانهيار؛ فقد وصلت الدولة إلى حال من الضعف لم يعد بالإمكان تلافيه: فقد أنهكت الثورات جيش الأمويين، من الخوارج إلى الزبيريين، إلى العلويين، وآخرها الثورة العباسية التي انطلقت من خراسان، ووصلت إلى درجة من القوة لا يمكن إيقافها بسهولة، إضافة إلى النزاع في الثغور الشمالية مع الدولة البيزنطية وأخيرا الانقسام الذي وقع داخل البيت الأموي نفسه، وأهمه الصراع الصراع بين مروان بن محمد الخليفة الذي بايعته الغالبية بالرضا، وابن عمه إبراهيم الذي غصب الكثيرين ممن بايعه بالقوة. كان مروان بن محمد كما يوصف شجاعا ذكيا فارسا محاربا يملك مهارة عسكرية في الحروب، لكن بالرغم من أنه حاول التقرب من أقربائه الخصوم ممن نافسوه على حكم الدولة الإسلامية، ونقله العاصمة من دمشق المضطربة إلى حران، وقضائه على معظم الثورات التي كانت تعصف بالدولة قبل مجيئه. كل هذا لم يسعفه؛ حيث هزمه العباسيون في المعركة الحاسمة، موقعة الزاب؛ بسبب الضعف الذي لحق بالجيش، والتصدع بكيان الدولة مما سبق. هرب إلى مصر، وتخفى، قبل أن يوشى به، ويمسك به العباسيون، ويقتلونه.

المثال الألماني الأوروبي

نأتي إلى مثال من العصر الحديث، إذا أحببتم، فعلى مشارف الحرب العالمية الثانية، كانت ألمانيا أقوى دولة أوروبية، بل في العالم كان جيشها أكبر جيش، وأسلحتها أقوى أسلحة، لكنها لم تربح الحرب. ترى ما الذي حصل، بالرغم من أنها أخذت كل أسباب القوة؟ قد يكون السبب الأول، هو: أنها  حاربت العالم كله تقريبا، وهذا مع ما لهم من الإرادة القوية التي يتمتع بها الشعب الألماني، حتى أنهم يوصفون بالماكينات؛ لشدة صبرهم وتحملهم، وأنهم لا يكلون ولا يملون حتى يحققون أهدافهم. أيضا الظروف الطبيعية المتمثلة بالثلج الروسي: فعندما اجتاحت الدبابات الألمانية الاتحاد السوفيتي ووصلت إلى مشارف موسكو، وجعلت ستالين الرجل الحديدي الرجل النحاسي وربما الصدئ. تجمد الزيت في الدبابات والماكينات الألمانية؛ مما شل قدرتها على التحرك بسبب المناخ الروسي القارص شتاء.

الخاتمة

من كل هذا أرى أن العزم والإرادة القوية لتحقيق الهدف شرطان أساسيان لتحقيقه، لكنهما ليسا بالضرورة يؤديان إلى النجاح؛ فلا قوة شخصية مروان بن محمد نفعته في منع انهيار الدولة الأموية، ولا قوة ألمانيا كدولة منعتها من الخسارة في الحرب، لكننا كمسلمين نتوكل على الله بعد كل شيء، وأنه إن لم نحقق هدفنا في حياتنا، فإننا نأمل أن يعوضنا الله صبرنا بآخرتنا.