أما وأن مجلس القمة لدول مجلس التعاون الخليجى قد انعقد فى الكويت، فإن من الضرورى أن يدرك القادة المجتمعون بأن مناسبة هذا الاجتماع، تحت الظروف المعقدة الخطرة التى نعيشها، كانت مناسبة متميزة إلى أبعد الحدود عن كل المناسبات السابقة.

وإذا كانت مؤسسات المجتمعات المدنية فى كل تلك الدول لم تفصح بما فيه الكفاية عن النتائج التى تنتظر أن يسفر عنه هذا الاجتماع التاريخى، فلأن هشاشة مؤسسات تلك المجتمعات المدنية وضعف صوتها فى الحياة العامة هو السبب لوجود ذلك الضعف فى الإفصاح. لكن تاريخ مسارات حياة تلك المجتمعات قد عبر بأشكال كثيرة عما تموج به تلك المجتمعات من مشاعر وآمال وثوابت، بحيث سيحتاج القادة إلى أخذها بعين الاعتبار أثناء مداولاتهم وساعة اتخاذ قراراتهم فى الحاضر والمستقبل.

فأولا، إن الغالبية الساحقة من مواطنى دول المجلس لن تقبل، تحت أية ذريعة كانت، بتفكيك مجلس التعاون أو إضعافه أو حرفه عن أهدافه التى سطرها النظام الأساسى عند قيام المجلس.

العكس هو الصحيح، فالمواطنون ينتظرون أن تجرى حوارات صريحة وموضوعية وناقدة لكل الأخطاء والخطايا التى ارتكبت فى الماضى، أيا تكون الجهات وأيا يكون المسئولون، والاتفاق على تصحيح كل ذلك. والحوارات الأهم هى المستقبلية التى ستجنب المجلس حدوث خضات وخلافات عميقة تدخل المجلس فى دوامة الصراعات والإعلام المبتذل بين الدول من جهة، وتشوه العلاقات والمشاعر القومية فيما بين شعوب المجلس من جهة أخرى.

ويستطيع القادة، لتجنب أى حرج يخافونه، تكوين مجموعة من المؤرخين والمفكرين والفاعلين السياسيين، بالتنسيق مع أمانة المجلس، لإجراء مراجعة تحليلية نقدية تركيبية لمسيرة المجلس منذ إنشائه، ولتقديم توصيات لتجنب الأخطاء، ولوضع أسس ومحددات تحكم العلاقات فى داخل المجلس.

وبصراحة، فلن يغفر المواطنون لمن يضع أية عراقيل أمام وضع المجلس مستقبلا فى المسارات التنموية والسياسية والالتزامات القومية العربية الجامعة الصحيحة. إذ تكفى الأخطاء التى ارتكبت فى الماضى بحق النهوض الحضارى والتنمية الإنسانية الشاملة المطلوبين، والتزامات دول المجلس القومية تجاه أمتها العربية، وعدم ارتهان أى من دوله لقوى الخارج الاستعمارية والصهيونية والإقليمية الطامعة، أو ارتباطها بأى شكل كان بقوى الجنون الجهادى الإسلامى الإرهابى، نكاية بهذه الجماعة أو بذاك النظام.

وثانيا، إذا كان المسئولون فى دول المجلس يريدون حقا تحديث وعصرنة الحياة فى دولهم، كما تشير إليه الاستراتيجيات والتصريحات، فإن الحداثة الفاعلة المنسجمة مع متطلبات حضارة العصر تتطلب كأولوية قصوى بناء توازن صحيح مستقر فيما بين سلطة الدولة ومجتمعها. فالسلطة هى توازن ندى فيما بين القوى السياسية والاجتماعية فى المجتمعات.

*** 

من أجل قيام ذلك التوازن لابُد من وجود مجال سياسى نشط مستقل حديث، والانتقال لإلباس الشرعية بالديموقراطية، والتزام الدولة بمسئولياتها الاجتماعية تجاه كل مواطنيها، وعلى الأخص فقرائها وذوى الحاجة فيها، والقبول الدستورى والقانونى بتمثيل المجتمع الاجتماعى والسياسى لدى الدولة من أجل أن يكون المجتمع متوازنا مع سلطة الدولة وقدراتها الهائلة.

مناسبة ضرورة الدعوة لمثل ذلك التفكير السياسى بالنسبة للدولة والمجتمع هى انتقال دول مجلس التعاون فى الآونة الأخيرة من دول معنية فى الأساس بأمورها الداخلية والتركيز على بناء نفسها المادى والاقتصادى، انتقالها إلى رغبات ومحاولات، بما تحمله من مخاطر والتزامات اقتصادية وعسكرية هائلة، للعب أدوار ثقيلة معقدة فى المجالات العربية والدولية.

إن تلك الرغبات والمحاولات للعب أدوار جديدة ستعنى فى النهاية تحميل المجتمعات والشعوب عبء نجاحاتها، ولكن أيضا أعباء فشلها وانتكاساتها.

***

من هنا فإن علاقات العصبية والأبوية التى قامت عليها دول مجلس التعاون منذ عقود، أى بعد حصولها على استقلالها من سيطرة القوى الاستعمارية، ما عادت كافية لبناء دول حديثة. هنا يجب التذكير بأن الدول والمجتمعات ليست اقتصادا فقط، بل إنها تاريخ وهويات، وثقافة، وعلاقات اجتماعية، وطموحات مستقبلية، وتقاسم للخيرات، وتعاضد فى الملمّات. وضع معقد كهذا يحتاج إلى أكثر من راع ورعية، من والد وأبناء، من ولاء لهذه العصبية أو تلك ومن شرعيات تاريخية لا تتطور مع الزمن ومع روح العصر الذى تعيشه.

فالشرعية التاريخية ستحتاج إلى روافد وروافع مجتمعية، سياسية ونقابية ومهنية وثقافية، لكى تبعد نفسها عن الابتزازات الدولية العولمية أو الانبهارات المضللة المشوشة بهذه الشخصية السياسية الدولية أو تلك.

إن المواطنين يرغبون، وبصدق وبمحبة وبإشفاق، الخروج من أحوال الجحيم الذى عاشته مجتمعاتهم فى السنين الأخيرة. إنهم يريدون وحدة دول مجلسهم لمواجهة العواصف. إنهم يريدون أن يلعب مجلسهم دورا قوميا عروبيا متساميا فى نهضة أمتهم العربية وفى حماية وطنهم العربى الكبير. لكن ذلك يحتاج إلى مراجعة حقيقية للأسس الحديثة التى يجب أن تقوم عليها العلاقة المتوازنة ما بين سلطة الدولة وسلطة المجتمع. لعل الآلام والدموع والدماء العربية التى لطخت جبين أمتنا العربية فى الآونة الأخيرة تدفع جميع أقطار الوطن العربى لبناء تلك العلاقة المتوازنة التى تحدثنا عنها.