ردد القرآن الكريم مصطلح «ذوى القربى» وأوصى بهم ورتب لهم حقوقا، وأبرز توصيات القرآن فى هذا الشأن قول الله تعالى: ((وآت ذا القربىٰ حقه..)) ، وأيضا هذه الآية الأكثر شهرة والتى تعود خطباء الجمعة أن يختموا بها خطبة الجمعة وهى قوله تعالى: ((إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذى القربى..)). فمن هم ذوو القربى؟ ونبدأ الإجابة باستطلاع معنى (القرابة) التى يعنيها القرآن، وهل هى نوع واحد من القرابة؟ وإذا كانت نوعا واحدا فهل كل القرابات داخل ذلك النوع من مستوى واحد؟ هذا ركن أساسى فى معرفة مفهوم المصطلح.

ــ1ــ

بداية نقرر أن «ذا القربى» لا يمكن قصره على نوع واحد من القرابة حيث إن القرآن أطلق المصطلح ولم يقيده بأى قيد، ومادام المصطلح مقيدا فليس لأحد تقييده أو تخصيصه، ومادام المصطلح مطلقا فإن هناك أنواعا من القرابات يجب البحث عنها والتعرف عليها والتنبه لوصية الله بشأنها وبما ورد بشأنها من أحكام قرآنية. فالقرابة المشهورة والأشد قربا هى قرابة الأصول والفروع والمصاهرة، والأصول هم الأباء والأمهات والجدود والجدات سواء من ناحية الأب أو الأم أو من الرضاع أيضا. فتلك أصول القربى والتى كرر القرآن كثيرا التوصية بهم فى قوله تعالى: ((وبالوالدين إحسانا )). فهذا النص يشمل الأصول التى ذكرناها. أما قرابة الفروع فهم الأبناء والأحفاد وسائر الذرية، وكلنا يعرف بالفطرة وبالشرع حق الفروع فى العطاء طوال الحياة، ثم حق الفروع والأصول فى ميراث ما يبقى بعد حياة الفرد. والحواشى يقصد بهم الأخوة والأخوات ثم الأعمام والعمات وأولادهم. وكل قرابة اتصلت بك عن طريق رجل فهو من ذوى القربى، أما إذا نتجت عن طريق أنثى فهو من ذوى الأرحام. وقرابة المصاهرة فهم هؤلاء الذين اقترب بعضهم ببعض من خلال المصاهرة والتزاوج.. وكل هؤلاء مستويات متعددة من القرابة الذاتية لا غير.

ــ2ــ

ونوع آخر من القرابة وهو قرابة الجوار، فالجيران فى كل مكان يعتبر كل منهم قريب لجاره فى السكن قرابة أفقية على امتداد الطريق، أو قرابة رأسية على امتداد ارتفاع العقار، فسكان العقار الواحد كل منهم قريب للآخر قرابة تفرض حقوقا وواجبات!! نعم حقوقا شرعية بل وقانونية قد اقتنعت بها الحضارات الراقية إذ يلزم كل جار بمراعاة حقوق جاره ويكفيم قول الله تعالى: ((واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ۖ وبالوالدين إحسانا وبذى القربىٰ واليتامىٰ والمساكين والجار ذى القربىٰ والجار الجنب..))، فتلك قرابة مكانية على المسلم معرفتها والاهتمام بها ورعاية حقوقها وواجباتهم.

ــ3ــ

نوع من ثالث من القرابة وهى القرابة الزمنية التى تصنعها مسيرة الحياة، فزملاء الدراسة بعضهم قريب للبعض، وزملاء العمل درجة من درجات القرابة الزمنية. كما أن زملاء التخصص العلمى بعضهم قريب لبعض، والجوار المؤقت بالزمن (زميل الرحلةــ زميل وسيلة المواصلاتــ إلخ) . كل تلك الأحوال تنشىء حقوقا وواجبات على الأطراف المختلفة معرفتها وتفعيل حقوقها وواجباتها.

ــ4ــ

ونوع رابع من القربى، ألا وهو «القرابة الاختيارية»، وهى قرابة الأصدقاء، وقرابة عضوية الفريق، أو عضوية الجمعية الأهلية، أو عضوية الحزب السياسى، فكل تلك النشاطات تصنع قرابة اختيارية لابد من معرفة حقوقها وواجباتها وتفعيل ذلك. أرأيت أشهر أنواع القرابة وتابعت معى مستويات كل نوع.. فإذا قرأت القرآن الكريم أو سمعته يأمر بصلة ذوى القربى والأرحام فلا تعتبر المسألة عادة أو أخلاق، بل هى فريضة دينية يجب تفعيلها حتى يتواصل الجميع.. وأراك الآن أكثر قناعة وأشد ترحيبا بقوله تعالى ((يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا..)).
يتبع