إن حقائق أي موقف لا تتجلى عناصرها إلا عندما يتم التفاعل بين ما هو موضوعي وما هو ذاتي؛ لأن الحقيقة في النهاية إنسانية. محمد حسنين هيكل

(1)

بداية المشهد الملكي.. عائلة عمادها الكراهية!

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏7‏ أشخاص‏

إن جوهر الأحداث في المملكة اليوم هو الصراع على كرسي المُلك. ولعل مشكلة قاعدة ولاية العرش في المملكة ظهرت وطرحت نفسها في منتصف التسعينات، فقد كانت القاعدة التي وضعها الملك عبد العزيز هي أن ينتقل «المُلك» إلى الأرشد المؤهل للعرش مولودًا لأُم من قبيلة من قبائل المملكة الكبيرة.

وبمقتضى هذه القاعدة فقد كان الملك «سعود» هو الذي خلف الملك «عبد العزيز»، ولكن الأسرة خلعته بعد سنوات، وأسقطت فترة حكمه كاملةً، حتى في صور الملوك المتعاقبين على العرش، كما فعل الشيوعيون في الاتحاد السوفيتي السابق، بالنسبة لزعمائهم الذين سقطوا في الصراعات الداخلية للحزب، فمحي كل أثر لهم حتى في الصور والقواميس ودوائر المعارف.

وبعد «سعود» جاء الدور على الملك «فيصل»، ومن بعده على الملك «خالد» الذي كانت والدته من قبائل «شُمر»، وبعد الملك «خالد» جاء الملك «فهد» وأخوته الأشقاء ووالدتهم جميعًا من قبيلة (السديري)، ومن بعده جاء الملك «عبد الله» ووالدته من قبائل «شُمر»، وبعده جاء الملك «سلمان» وهو من قبيلة «السديري».

لكن المشكلة التي ظهرت وأطلت برأسها في التسعينات وإلى اليوم، أن أصغر أبناء الملك «عبد العزيز» كان قد جاوز الستين من عمره، وإذن فقد كان لا بُد من قاعدة جديدة لولاية العرش تحل محل قاعدة الأرشد من أبناء عبد العزيز. وكان هذا هو الصراع المرئي والقادم وقتها؛ لأن ملكًا من ملوك السعودية في وقت ما كان يتحتم عليه مثلما وقع للخديوي «إسماعيل» في مصر، أن يضع قاعدة لولاية العرش يكون من نتيجتها حصر هذه الولاية في فرعه هو من الأسرة، وتلك هي الطبيعة الإنسانية بعيدًا عن منطق الأمور!

لكن المشكلة أن السلطة والثروة تفوقان الخيال في السعودية، وانتقال المُلك من فرع إلى آخر في أسرة يبلغ تعدادها أكثر من 7 آلاف من الذكور كفيل بأن يُحدث هزات كُبرى. وربما لا يغيب عن الذاكرة أن أميرًا من فرع سعود كان هو الذي أقدم على قتل الملك فيصل سنة «1975» نتيجة لضيق أحس به بعد تحول السُلطة والثروة من فرع إلى فرع داخل الأسرة.

إن المُلك حينما انتقل من الملك «فهد»، وهو من السدرين «نسبة إلى قبيلة السديري» إلى الملك «عبد الله» وهو الذي ينتمي لفرع من الأسرة تمتد أمومته القبلية إلى شمال نجد «منطقة حايل»، لم ينتقل سلسًا كما روج لذلك الإعلام السعودي، بل كان ذلك زلزالًا بجسم الأسرة السعودية ذاتها، أحدث شروخًا بدا بعضها عصيًا على الترميم.

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏8‏ أشخاص‏، و‏‏أشخاص يبتسمون‏، و‏‏نص‏‏‏‏

<img src=”https://scontent-frt3-2.xx.fbcdn.net/v/t1.0-9/24177117_1656783704382286_964284568054604258_n.jpg?oh=65e2f748e9a17744b9d694383c03aa4a&oe=5AD04E07″ alt=”ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏8‏ أشخاص‏، و‏‏أشخاص يبتسمون‏، و‏‏نص‏‏‏‏”>

ولعل الكراهية بين أفراد الأسرة لم تكن خافيةً على أحد؛ فقد أنشأ الملك الراحل «عبد الله» «مجلس البيعة في 2006»، ونظريًا، فإنه سوف يختار ولي العهد التالي. ورغم أن الغرض الأسمى للهيئة هو صياغة نظام الخلافة رسميًا، فإن إنشاءها كان ذا سياق سياسي مهم؛ إذ كان يمثل محاولة من جانب الملك «عبد الله» لتطويق من يسمون بالسديريين السبعة، وهم أكبر مجموعة من الإخوة الأشقاء بين أكثر من 30 ابنًا لابن سعود، مؤسس المملكة، الذين سيطروا على الحكومة في الأربعين عامًا الماضية.

وفي الحقيقة لم تكن هناك محبة بين «عبد الله» وإخوانه السديريين غير الأشقاء، وتحديدًا الملك «فهد» «الذي توفي في 2005». و«سلطان» «الذي خدم لأطول مدة وزيرًا للدفاع والطيران، وكان كذلك نائبًا لرئيس الوزراء وولي العهد»، و«عبد الرحمن» «نائب وزير الدفاع والطيران». و«نايف» «وزير الداخلية والنائب الثاني لرئيس الوزراء». و«تركي» «الذي عاش في شبه منفى في القاهرة». و«سلمان» «حاكم إمارة الرياض وقتها قبل أن يصبح الملك». و«أحمد» «نائب وزير الداخلية».

وقد حاول الملك «عبد الله» أن يورث العرش لابنه الأمير «متعب» الذي عينه قائدًا للحرس الوطني بعد الأمير «مقرن» «الذي كان سيلعب دور المُحلل لمتعب»، الذي جعله لأول مرة وليًا لولي العهد، واشترط عدم تغيره حتى بعد موته، ولكن بعد موته ومجيء «سلمان» ملكًا كان أول شيء فعله هو تنحية «مقرن» وتعين «محمد بن نايف»، الذي كان يرأس منصب وزير الداخلية وليًا للعهد، وتعيين نجله الأصغر «محمد» في مفاجأة كبرى وليًا لولي العهد.

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏5‏ أشخاص‏، و‏‏أشخاص يقفون‏‏‏

<img src=”https://scontent-frt3-2.xx.fbcdn.net/v/t1.0-9/24174453_1656783354382321_852347852997233822_n.jpg?oh=f0d4d6ad1b87f847c78361aad73df249&oe=5AC938BB” alt=”ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏5‏ أشخاص‏، و‏‏أشخاص يقفون‏‏‏”>

ورغم أن عددًا من الأمراء من داخل الأسرة، قابل تلك التغيرات بالرفض وقتها، مثل الأمير «طلال» ونجله الملياردير «الوليد»، فإن التغيرات قد مضت في طريقها المرسوم سلفًا.

وفجأة طرأت مضاعفات؛ لأن المناخ تحفزت فيه عوامل الاعتراض والغضب والانفلات والانفجار، وحينما جاء الملك «سلمان» وجد أن ابنه الأثير لديه «محمد» أولى باللقب الديني الدنيوي «خادم الحرمين»، وبكرسي العرش فعمل معه على تصعيده درجة بعد درجة، مُزيحًا كافة المعوقات أمامه بكافة الأشكال وبكل السُبل.

(2)

إن الشكل العام للأحوال كما هو، لم يتغير شيء، الصدام مستمر، والصراعات طاحنة، والتصفيات دائرة.

«محمد بن سلمان».. قيصر السعودية الجديد!

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، و‏‏‏وقوف‏ و‏نشاطات في أماكن مفتوحة‏‏‏‏

<img src=”https://scontent-frt3-2.xx.fbcdn.net/v/t1.0-9/24174268_1656783474382309_267316274122889837_n.jpg?oh=a724af793696b40fb482b4d305e6b504&oe=5AD35070″ alt=”ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، و‏‏‏وقوف‏ و‏نشاطات في أماكن مفتوحة‏‏‏‏”>

منذ صعود الأمير الصغير أو «المرشد الأعلى للسعودية» كما أطلقت عليه بعض الصحف الأجنبية، كانت النظرة له من قِبل مُعارضيه وهم كُثر:

أنه رجل «مُبرمج» و«متكبر» يطلب السلطة دون سياسة مفهومة يحكُم على أساسها، وبغير مبادئ مقبولة يسعى إلى تحقيقها، ثم أنه ليس عنده «أكثر مما ترى العين منه»، وأكثر مما «تسمع الأذن عنه»، وكلها مشاهد تبدو مرسومة كأنها سيناريو فيلم أو مسرحية. سطحًا بلا عمق، وعنوانًا بلا موضوع.

وأما مؤيدو الأمير الشاب قد أشادوا بصعوده
باعتباره تمكينًا سلسًا لزعيمٍ طموح.

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏6‏ أشخاص‏، و‏‏أشخاص يبتسمون‏، و‏‏لحية‏‏‏‏

وبمجيء «محمد بن سلمان» وليًا لولي العهد، وهو المقرب وذو الحظوة عند والده «الملك» كما تأكد من خلال إطلاق يد الشاب في كافة أمور الدولة مثل سيطرته على أهم مورد للبلاد «النفط»، بالإضافة إلى السيطرة على أهم قوة في البلاد «الجيش» بوصفه وزيرًا للدفاع بجانب ولايته لولي العهد، أصبح الرجل كقيصر في روما! وظهرت داخل الأسرة صيحات الاعتراض والرفض بعضها مكتوم، وبعضها قد خرج إلى العلن رغم محاولات كتمها، والصيحات من فريقين:

شباب الأسرة يقولون: «إننا أيضًا من حقنا أن نحصل على فُرصة في إدارة الأمور في البلاد، ونحن منا من يفوق الأمير الصغير علمًا وعملًا وخبرةً»؛ أي إن الوضع داخل الأسرة الحاكمة، لم يكن على ما يرام كما روج وقتها في الإعلام السعودي مقروء ومسموع ومرئي.

والأمراء الكبار يضيفون: «أن الأمير الشاب ليس لديه أي خبرة في إدارة أي شيء، وهو قد جر البلاد إلى حروب «عسكرية في اليمن»، وهي حرب ذات طابع إقليمي دولي مشكوك في كسبها، وأكمل ما بدأه من قبله في سوريا بفشل، و«اقتصادية نفطية» مع قوى كبرى كروسيا وإيران، «مما أدى إلى هبوط سعر النفط إلى أدنى مستوى وهو مصدر الدخل الأول في البلاد»، ثم والأهم أنه قد غير مسار سياسة البلاد الخارجية من دولة وقورة متحفظة إلى دولة مغامرة طائشة».

ووفق تقرير لموقع «تاكتيكال ريبورت» فإن «سلمان» واصل العمل على إقناع أفراد عائلة آل «سعود» الحاكمة، الذين ما زالوا يعارضون التعهد لابنه بالولاء. ويُضيف التقرير، عَقد الملك اجتماعًا أواخر الشهر الماضي في قصره بالرياض، مع شقيقه الأمير «أحمد بن عبد العزيز»، وزير الداخلية الأسبق، بحضور كل من: ولي العهد السابق ومستشار الملك «عبد الله» الأمير «مقرن»، ونجل الأمير أحمد الأمير «نايف»، الذي يعمل رئيسًا للاستخبارات والأمن في القوات البرية الملكية السعودية. وجدير بالذكر أن الأمير «نايف بن أحمد» على علاقة جيدة بابن عمه ولي العهد، الأمير «محمد بن سلمان».

ووفقًا للتقرير، طلب الملك «سلمان» من الأمير «أحمد» التعهد بالولاء لنجله «محمد بن سلمان» علنًا، لكن الأمير «أحمد» رفض ذلك، وبرر ذلك بأن ولي العهد الشاب لا يُلبي الشروط المطلوبة للخلافة. وقد جدد الأمير «أحمد» مطالباته المستمرة بحقه في العرش. وأضاف التقرير أن الملك «سلمان» أخبر شقيقه الأمير «أحمد»:

إنه من الأفضل للأمراء المعارضين أن يتعهدوا بالولاء لابنه في هذه المرحلة، لأنه سيعتلي العرش، شاء من شاء وأبى من أبى.

وأكد الأمير «أحمد» للملك «سلمان»: أنه سيلتزم بعدم الوقوف مع أمير آخر ضد ابنه، لكنه لا يمكنه تحمل أي مسؤولية عن المعارضة التي قد يظهرها أمراء آخرون.

أي إن الصراع داخل الأسرة أصبح مثل البالون الذي يمتلئ كل يوم، ولا أحد يعلم متى سينفجر؟ وذلك جعل الأمير الصغير عصبيًا يُريد إثبات خطأ كل المشككين فيه، وفي سياسته، وفي قدراته بل في شخصه وشخصيته أيضًا.

وفي هذا المناخ المُعبأ والمشحون بالحسد والبغضاء والكراهية، كان الحل أمام «أمير الانتقام» «محمد بن سلمان» المتطلع بقوة لكرسي العرش، هو القيام بعملية انقلابية يقوم فيها بعمل حبكة درامية من كل المآسي الشكسبيرية «الملك لير وماكبث وهاملت» مع استدعاء كافة نصائح «مكيافيللي» في كتابه «الأمير» «للورنزو الكبير»، ثم تقليد مؤامرات البلاط المعروفة من «ريشليو» إلى «متزيني» الذين حاكوا الدسائس والمؤامرات في تصفية خصوم العرش «أو خصوم الكرادلة بمعنى أصح».

وكانت خطة ابن سلمان تعتمد على خطين

الأول: العمل على إضعاف معسكر الأمراء المعارضين له بعدة وسائل، منها:

  • اجتذاب أكبر عدد ممكن من شباب الأمراء في معسكر ابن سلمان، أو على
    الأقل تحييدهم، وقد نجح في ذلك بشكل كبير لأن في صفه اليوم الكثير من الأسماء مثل «عبد العزيز بن فهد، وعبد العزيز بن سعود، وعبد العزيز بن
    تركي، وأحمد بن فهد، وبندر بن خالد وغيرهم».
  • ضمان ولاء أكبر عدد ممكن من كبار قبائل المملكة عن طريق استخدام
    سياسة العصا والجزرة «وتلك سياسة ظهر أن الأمير الصغير يتقنها».
  • التأكد من ولاء كل ضابط وجندي في الجيش السعودي له، وهو «وزير
    الدفاع»؛ لأن الجيش هو القاعدة الحقيقة، والسلاح الأهم للأمير الصغير
    المُزركش في مواجهته مع الآخرين.
  • تجريد المنافسين «محمد بن نايف، ومتعب بن عبد الله» من أسلحتهم «وزارة
    الداخلية بالنسبة لمحمد بن نايف»، و«الحرس الوطني بالنسبة لمتعب بن عبد الله».

الثاني: التأكد من مساندة الولايات المتحدة «ترامب»:

ومباركته وذلك بالحصول على مباركتها لخطوات الأمير الصغير عن طريق شراء التأييد أو فرض الصمت بمليارات الدولارات التي أغدقها ابن سلمان على ترامب، في اتفاق جرى بين محمد بن سلمان وكوشنر زوج ابنة الرئيس الأمريكي ترامب.

وبالفعل بعد أن تحقق محمد بن سلمان من نجاح خطته، قام الأمير الشاب بأول خطوة جريئة وسريعة وخاطفة، فأزاح أول خصومه ولي العهد «محمد بن نايف» بانقلاب أبيض ليصبح بعده هو «أي محمد بن سلمان» ولي العهد. لمزيد من التفاصيل مراجعة الرابط.

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏3‏ أشخاص‏، و‏‏قبعة‏‏‏

<img src=”https://scontent-frt3-2.xx.fbcdn.net/v/t1.0-9/24174660_1656784311048892_6709037451479745982_n.jpg?oh=29fbc0ccf2575ec562aa536f6095cc77&oe=5A8B2790″ alt=”ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏3‏ أشخاص‏، و‏‏قبعة‏‏‏”>

ثم قام بالخطوة الأهم والأخطر بجرأة وسرعة وقوة ضد جميع من وقفوا ضده فقد صدرت أوامر ملكية بإقالة وزير الحرس الوطني الأمير متعب بن عبد الله من منصبه، وتعيين خالد بن عياف بدلًا منه، وإنهاء خدمات قائد القوات البحرية الفريق عبد الله السلطان، وتعيين فهد الغفيلي خلفًا له، وإقالة وزير الاقتصاد والتخطيط عادل فقيه، وتعيين محمد التويجري بديلًا له.

جاء بعد ذلك مباشرةً الإعلان عن تشكيل الملك سلمان للجنة عليا لمكافحة الفساد برئاسة ولي العهد، وعلى الفور أصدرت اللجنة قرارات باعتقال وتوقيف أمراء ومسؤولين سعوديين، في إطار تحقيق تجربه اللجنة في قضايا تتعلق بالفساد.

وكان من أبرز الموقوفين الأمير متعب بن عبد الله، والأمير الوليد بن طلال، والأمير تركي بن عبد الله، ورئيس الديوان السابق خالد التويجري، ووزير الاقتصاد والتخطيط عادل فقيه، ووزير المالية السابق إبراهيم العساف، وقائد القوات البحرية عبد الله السلطان. وقد وُقف عدد من رجال الأعمال، بينهم صالح كامل وأولاده، ورجُلا الأعمال البارزان منصور البلوي وناصر الطيار.

وكان أهم ما اصطادته الشبكة الملكية تحت شعار محاربة الفساد «الحوت الكبير» متعب بن عبد الله الذي كان يتسلح بالحرس الوطني، وهو المنافس القوي والأخطر لمحمد بن سلمان. وبحجة محاربة الفساد اصطاد كافة العصافير الأميرية، ووضعهم جميعًا في قفص أمير الانتقام «محمد بن سلمان» المُسمى فندق ريتز كارلتون الرياض!

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص أو أكثر‏‏

<img src=”https://scontent-frt3-2.xx.fbcdn.net/v/t1.0-9/24294024_1656822947711695_1048999273335016573_n.jpg?oh=0b0e3a15d1b171caa6ebabde38a75094&oe=5AD518EB” alt=”ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص أو أكثر‏‏”>

وهكذا كان ظاهرًا للعيان أنها السياسة تتعلل بالأسباب وهي تعرف موانعها وتقول بظاهر الحق، وهي تعرف أنه في الباطن قصد آخر، لكن السياسة تحتاج دائمًا إلى ذرائع أخلاقية، أو على الأقل تبدو كذلك، وحتى لا تظهر الأنياب والمخالب عارية تثير شكوك الناظرين والسامعين ومخاوفهم!

ولقد كان يُقال يومًا «إن الصور لا تكذب»، ولكن الأزمنة الجديدة أثبتت أن الصور «خصوصًا في العالم العربي» يُمكن أن تكون أكبر محترف للكذب في التاريخ!

وعلى ذلك؛ فإن ما جرى ويجري من صراعات، ليس من أجل الصراع على كُرسي العرش وحصر الحكم في فرع معين من فروع الأسرة والسيطرة على الثروة، ولكن يجب أن يُقال عنه إنه من أجل مقاومة الفساد والاستبداد ولتحديث المملكة وتجديد شبابها!

وكانت المشاهد المتتابعة القادمة من المملكة على شاشات قنوات الأخبار من إبعاد محمد بن نايف، والقبض على الأمراء، لإسقاط طائرة واحد آخر منهم، إلى الحديث عن تعذيب الأمراء الموقوفين من قبل حُراس من شركة «بلاك ووتر» الأمريكية مأساة تُشبه المآسي الإغريقية، وتؤكد لمن يهمه الأمر أن درس الحضارة لم يترك في الشرق الأوسط إلا خدوشًا على السطح، وأما تحت السطح، فمعظمه ما يزال حيث كان قبل قرون من الزمان في مشاهد «القتل» و«الاقتتال» و«النحر» و«الانتحار» في ملاحم الإلياذة وفواجعها الحزينة الباكية الدامية!

تركت قلمي وسرحت بخاطري وتذكرت ما رواه الأستاذ
«محمد حسنين هيكل» -رحمه الله- على لسان ملك الأردن الراحل «حسين بن طلال» من أن
الملك «حسين» قال للأستاذ هيكل عن السعوديين:

يا أخي هؤلاء القوم لم يتركوا أي مشروع تحديثي للعرب إلا وقفوا ضده وتآمروا عليه وحاربوه. بدأ بمشروع جدي الشريف «حسين» حتى مشروع صديقك «جمال عبد الناصر».

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏2‏ شخصان‏، و‏‏أشخاص يجلسون‏‏‏

<img src=”https://scontent-frx5-1.xx.fbcdn.net/v/t1.0-9/24131609_1656937441033579_8770447692714750976_n.jpg?oh=88f2e42d45f0430f57bea20fb73bb6ff&oe=5ACF79CF” alt=”ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏2‏ شخصان‏، و‏‏أشخاص يجلسون‏‏‏”>

وقلت لنفسي أن معنى ذلك لو صح، وفي الغالب أنه صحيح، أن السعودية هي دولة وظيفية في المنطقة وهي تلعب الدور نفسه الذي تلعبه إسرائيل، وإن كان بشكل آخر. وفي رأيي أن هناك أربع دول وظيفية في المنطقة، أي إن وجودهم مرتبط بتأدية وظيفة في الإقليم، والدول الأربعة هي: إسرائيل والسعودية والأردن ولبنان.

وتسارعت الأسئلة بعد ذلك في خاطري:

  • ما معنى كل القرارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي
    اتخذها قيصر السعودية الجديد ولي العهد «محمد بن سلمان» في الفترة الأخيرة؟
  • وما تأثير تلك القرارات التي اتخذها الأمير الصغير على السعودية
    والمنطقة؟

وذلك ما سأحاول الإجابة عنه في المقالة القادمة.